الفلوجة وقصة المقاومة العراقية   
الاثنين 1425/1/10 هـ - الموافق 1/3/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

الفلوجة رأس الحربة في مقاومة المدن العراقية للاحتلال الأميركي (الفرنسية-أرشيف)

محمد عبد العاطي-الفلوجة

رغم شحة المعلومات المتوفرة عن المقاومة العراقية التي لا يعلم أحد على وجه الدقة الهياكل التنظيمية التي تقف وراءها ولا مصادر تمويلها ناهيك عن أساليب عملها وكيفية تحديد أهدافها, فإن التقرير التالي يحاول الاقتراب من البيئة التي تعمل فيها هذه المقاومة من خلال تسليط الضوء على مدينة الفلوجة التي تعتبر حاليا واحدة من أشهر المدن العراقية التي تقود عمليات المقاومة داخل العراق.

تقع مدينة الفلوجة على بعد 60 كيلومترا من العاصمة بغداد في منطقة غير بعيدة عن سجن (أبو غريب) -أكبر سجن عراقي الآن- وبالقرب من ثكنة عسكرية كانت قبيل سقوط بغداد أكبر معسكر لقوات الحرس الجمهوري.

وتعد الفلوجة أكبر قضاء في محافظة الأنبار التي تعد بدورها أكبر محافظات العراق مساحة. ويبلغ عدد سكان الفلوجة حوالي 400 ألف نسمة كان يعمل معظمهم في الجيش العراقي المنحل، ويغلب الطابع العشائري على النسيج الاجتماعي لأهلها، ويتبع كل سكانها المذهب السني حيث تكثر فيها المساجد.

لا يبدو لزائر الفلوجة أي مظهر يدل على أن هذه المدينة تمثل كل هذا الإزعاج للقوات الأميركية، فالشوارع تعج بالمارة، والمحال مملوءة بالبضائع، والأولاد يلعبون في الساحات والشوارع. فأين المقاومة إذن؟ وأين رجالها؟

تتخذ المقاومة في الفلوجة طابعا سريا كما يقول محمد علي أحد الشباب الإسلاميين بالمدينة، وذلك لعدة أسباب أهمها "نجاح القوات الأميركية في تجنيد الكثير من العملاء العراقيين الأمر الذي فرض علينا أخذ الحيطة والحذر".

العبوات الناسفة إحدى أشد وسائل المقاومة فتكا بالأميركيين (الفرنسية-أرشيف)
وبالنسبة لأساليب المقاومة في المدينة فإنها تعتمد كما عايشها (ح.أ) -أحد رجال المقاومة الذين تهيأ لنا مقابلتهم بعد احتياطات أمنية معقدة- على "زرع عبوات ناسفة إما من مواد شديدة الانفجار أو من قذائف مدفعية أو ألغام أرضية أو استعمال قذائف آر بي جي، وهي كلها متوفرة وقد حصلنا عليها من معسكرات الجيش العراقي السابق، ولا نعدم وسيلة مبتكرة كلما اكتشف الأميركان إحدى وسائلنا وكانت آخر وسائلنا في بطون الماعز أو الغنم المذبوح الملقى على قارعة الطريق".

وعن كيفية تعلم رجال المقاومة في الفلوجة استخدام هذه الأسلحة وكيفية تحديد أهدافهم، يقول (ط.ع), وهو أحد الضباط السابقين في الجيش العراقي وأحد سكان الفلوجة "حينما أمر الحاكم الأميركي بول بريمر بحل الجيش قررنا الانتقام ونقلنا خبراتنا القتالية التي تراكمت لدينا منذ الحرب العراقية الإيرانية وحرب الكويت ثم الحرب الأميركية هذه إلى شباب المقاومة في الفلوجة وقمنا بعمل معسكرات تدريب لهم حتى اكتسبوا الخبرة في استعمال الكثير من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة".

وعن كيفية تحديد الأهداف يضيف "نحن في العادة ومنذ أجبرنا الجيش الأميركي على الرحيل خارج حدود الفلوجة أصبحت أهدافنا تستهدفهم أثناء مرورهم على الطرق الرئيسة أو من خلال تحديد تحركاتهم إما عبر رجال متعاونين معنا ومعهم في الوقت نفسه، وإما عن طريق ملاحظاتنا العادية وخاصة حينما يتخذون إجراءات أمن غير عادية فنعرف بوجود شخصية مهمة عندهم كما حدث حينما استهدفت المقاومة جون أبي زيد".

العلماء يحرضون الناس على مقاومة الاحتلال (الفرنسية-ارشيف)

وفي ما يتعلق بحقيقة وجود عناصر من تنظيم القاعدة أو متطوعين عرب يساعدون رجال المقاومة في الفلوجة، فإن الكثير من الأهالي ينكرون ذلك قائلين إنهم ليسوا قلة ليحتاجوا مساعدة من الخارج، في حين قال البعض منهم إن رجالا من تنظيم القاعدة موجودون بالفعل ولكن عددهم يكاد لا يذكر ومعظمهم من العراقيين الذين كانت لهم خبرات قتالية أثناء الجهاد الأفغاني.

أخيرا يتحدث أهالي الفلوجة عن الكثير من الأسباب التي أثارتهم والتي جعلت دائرة المقاومة تتسع لدى قطاعات كانت في الماضي مترددة وتؤثر السلامة، من هذه الأسباب إهانة الوجهاء من العشائر كما يقول الحاج مصطفى ألبو علوان "خلع أحد الجنود الأميركان العقال من فوق رأسي وألقى به على الأرض وتركني لساعات ويداي مقيدتين خلف ظهري وحينما قلت له اتركني لخاطر الله رد علي قائلا "نو" الله NO ALLAH".

أو بأخذ الجنود بعض النساء كرهائن لإجبار أزواجهن أو أبنائهن على تسليم أنفسهم كما حدث مع عروس لم يمض على زواجها أسبوعان، وهي زوجة عماد فوزي أحد رجال الفلوجة الذي كان مطلوبا للأميركان بحسب رواية الشيخ عمر سعيد حوران عضو هيئة علماء المسلمين بالفلوجة، والذي يضيف إلى هذا قضية تفتيش النساء التي كانت تحدث -كما يقول- على يد الجنود الأميركان في الأيام الأولى للاحتلال. وقد أقر قائمقام المدينة محمود إبراهيم ورئيس المجلس المحلي محمد البلوة بعمليات الاعتقال هذه.

اعتقال الشيوخ والعلماء ألهب مشاعر الناس ضد القوات الأميركية (الفرنسية-أرشيف)
ولم ينكر الجانب الأميركي مسألة اعتقال النساء، ولكنه أكد أن هؤلاء النسوة متورطات في "أعمال إرهابية" تضر بأمن القوات الأميركية وأن من حق قوات التحالف اعتقالهن، كما صرح بذلك المتحدث باسم القوات الأميركية الرائد كارول باتريك للجزيرة نت.

ويضاف إلى كل هذا، كما يقول أهالي حي المعلمين بالفلوجة، انتهاك حرمة المساجد ويستشهدون بما حل بمسجدهم قبل ساعات من مجيئنا حينما اقتحمته حوالي 20 مدرعة أميركية تعاونهم مروحيتان لاعتقال إمام المسجد الشيخ عبد الله الجنابي بسبب خطبه الحماسية ضد الاحتلال كما يفسر الأهالي.

ويقول عبد الكريم حارس المسجد إنه شاهد الجنود يعبثون بمحتويات غرف المسجد بحثا عن الشيخ الذي لم يجدوه وأثناء ذلك ألقوا ببعض المصاحف على الأرض.

______________
موفد الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة