كارلوس فوينتس كاتب حتى النفس الأخير   
الجمعة 1433/6/27 هـ - الموافق 18/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:45 (مكة المكرمة)، 10:45 (غرينتش)
كارلوس فوينتس اشتغل بالسياسة لكنه بقي وفيا للأدب (الأوروبية)
غدير أبو سنينة
 
فقد الأدب اللاتيني أحد أبرز رموزه الكبار برحيل الأديب المكسيكي كارلوس فويتنس بعد حياة أدبيّة وسياسية لم تهدأ حتى قبل لحظات من وفاته، حيث شارك الأسبوع الماضي في معرض الكتاب في الأرجنتين وتحدّث فيه عن مشاريع أدبية جديدة لم يُمهِله الموت لإتمامها.

أمضى فوينتس، الذي رحل عن 83 عاما، حياته في كتابة الأدب والترحال بين أميركا وأوروبا، قبل أن تكون فرنسا وجهته الأخيرة. ويتمتع الكاتب المخضرم بحيوية الشباب في إقباله الدؤوب على العمل في السياسة أو الأدب، والحياة الاجتماعية، وغالبا ما يكون لديه مشروع أدبي رديف أو معلق حيث أنهى قبل وفاته روايته "فيديريكو في شرفته"، في حين كان يعد كتابه "رقصة الذكرى المئوية" الذي يتناول السنوات العشر التي عاشها في المكسيك.

وعُرف عن فوينتس إحساسه بثقل الوقت وأهميته حيث كان يقول "إن كل شيء قد تغير بشكل كبير وسريع لدرجة أننا نعجز عن تسمية هذه الفترة التي نعيشها". فبمجرد استيقاظه فجرا كان يهجم على الورق الأبيض مُسجّلا ملاحظاته عن اليوم السابق، ومؤجلا فترة ما بعد الظهر للحياة الاجتماعية التي اعتزلها في سنواته الأخيرة مختبئا في لندن ونيويورك وأماكن خاصة في المكسيك.

لم ينس صاحب رواية "الجهة الشفافة" بلده الأصلي المكسيك وسحره الذي كان من مؤثرات إبداعاته التي تبدو فيها الهوية المكسيكية جلية. ففي كتابه "شموس المكسيك الخمس" يحاول فونتيس اكتشاف عمق المكسيك وروحها وسبر أغوارها من خلال رؤية تحليلية ونقدية تاريخية، يرحل من خلالها في عوالم الحضارات القديمة كالأنكا والأزتيك.

يندهش المتابع لأعمال فوينتس بتنوعها وشمولها وكثرتها دون أن يؤثر ذلك على جودة وقمية العمل الأدبي

الواقعية السحرية
كان فوينتس من أبرز كُتّاب الواقعية السحرية إلى جانب غارسيا ماركيز وفارغاس يوسا، ويبدو ذلك جليّا -على سبيل المثال- في رواية "آورا" التي شغلت تفكير النقاد والكتاب كثيرا لحبكتها وبنيتها التي استندت على هذا الخط الجديد في حينه، وابتعدت عن الشكل التقليدي للرواية، تماما كرواياته الأخرى "موت آرتيميو كروس" و"المنطقة الأكثر شفافيَّة".

ولأعماله المُهمة حاز عدة جوائز منها جائزة رومولو غاييغوس عام 1977، وجائزة سرفانتس 1978، وجائزة الأمير آستورياس للآداب 1994. كما أنه رُشِّح لجائزة نوبل للآداب التي نالها مواطنه الشاعر أوكتافيو باث.

ويندهش المتابع لأعمال فوينتس بتنوعها وشمولها وكثرتها دون أن يؤثر ذلك على جودة وقيمة العمل الأدبي. فإضافة لكونه روائيا، فقد كتب سيناريوهات لأفلام سينمائية عدة مثل سينايو فيلم "روح نقية" (1996) وفيلم "زمن الموت" (1966) بالاشتراك مع غابرييل غارسيا ماركيز، كما تحولت بعض رواياته إلى أفلام سينمائية. في حين تمتلئ سيرته الأدبية بأعمال القصص القصيرة والمسرحيات والمقالات.

وُلد كارلوس فوينتس ماسياس يوم 11 نوفمير/تشرين الثاني 1928 في بنما لأبوين مكسيكيَّين، وتنقّل منذ طفولته في بلدان عدة بسبب عمل أبيه في السلك الدبلوماسي مما أثرى تجربته الشخصية والروائية والسياسية، وقد عمل عند عودته شابا إلى المكسيك في مجال الصحافة في مجلة "اليوم".

تخرج من جامعة المكسيك الوطنية المستقلة قسم الحقوق، وتابع دراساته العليا في الاقتصاد في سويسرا. واختير عام 1972 عضوا في الكلية الوطنية المكسيكية حيث قدَّمه الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث. وفي عام 1975 تولَّى منصب سفير المكسيك في فرنسا بدأهُ بفتح أبواب السفارة للاجئين السياسيين اللاتينيين والمعارضين من الإسبان لنظام فرانكو.

ولم تمنع المناصب السياسية هذا الكاتب الإنسان من الاختلاط بكُتاب شبابٍ مُبتدئين، فكان كثير الدّعم لهم ومقربا منهم، مما أسهم في كسبه ودّ المحيط الأدبي إضافة لمعجبيه من القرّاء ومتابعيه من النّقاد.

وبوفاة فوينتس يلتئم شمل العائلة من جديد في مقبرة مونبرناس في باريس، حيث يرقد جثمانا ابنه كارلوس وابنته ناتاشا اللذان توفيا في عمر 25 و30 عاما تباعا، وتمثل وفاتهما جانبا تراجيديا في حياة الشاعر الذي طالما أحب الحياة وتحدى الموت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة