هاشم كلّوب.. فلسطيني يخطّ المصحف كاملًا بيده   
السبت 21/6/1436 هـ - الموافق 11/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)

أيمن الجرجاوي-غزة

يقودك ممر ضيق وسط أرض زراعية إلى باب صغير يضطرك للانحناء عند الدخول إليه، لتصعد بعدها عشر درجات إلى غرفة صغيرة تتزين حيطانها بلوحات مفعمة برائحة الأرض الفلسطينية، وآيات مرسومة من القرآن الكريم. 

وعلى طاولتين بوسط الغرفة وركنها الأيمن، ترتص مئات الأوراق الكرتونية البيضاء التي خط عليها الخطاط الفلسطيني هاشم كَلّوب من مدينة غزة القرآن الكريم كاملًا بخط يده. 

لم تكن بداية كتابة القرآن الكريم كاملًا سهلة على الإطلاق، إذ يقول كلّوب إنه شعر بهيبة كبيرة في البداية، وأعاد كتابة بعض الصفحات عدة مرات، لكن الإصرار على تحقيق الحلم القديم، دفعه للاستمرار في كتابته على مدار خمس سنوات، رغم المعيقات التي واجهته. 

وكتب الخطاط الفلسطيني (56 عامًا) المصحف بخط النسخ بالرسم العثماني، على ورق كرتوني أبيض (بريستول) بمقاس 50 سم×70 سم، بقلم أسود عريض، ويعكف حاليًا على كتابته مرة أخرى بدقة أكبر، وخط أجمل، ومقاس أكبر يبلغ 100 سم ×70 سم. 

الحصار على غزة ورداءة البضاعة المتوفرة أضفت صعوبات عديدة على كلوب (الجزيرة)

أثر الحصار
شراء مستلزمات كتابة المصحف الشريف كانت لها قصة أخرى مع الخطاط الفلسطيني، إذ كان يعتمد بشكل كامل على عوائد عمله في الخط والرسم، وهي المهنة التي يعمل بها منذ 37 عامًا، فحين تتوفر الأموال يشتري الأوراق والأقلام ليكتب، وحينما لا تتوفر يأخذ قسطًا من الراحة مضطرًا. 

ولا تتوفر في قطاع غزة البيئة الجيدة لمهنة الخط والرسم، كما يقول كلوب للجزيرة نت، فالأقلام الموجود رديئة وغير أصلية، عدا مشكلة انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة يوميًا. 

وكمختلف القطاعات في غزة، يؤثر الحصار المستمر منذ ثماني سنوات على قدرات الخطاطين والرسامين الفلسطينيين، ويشير كلّوب إلى أن ذلك حرمه من الخروج للاطلاع على المعارض الدولية، ومنعه من الالتحاق بالمعاهد التعليمية لاكتساب المزيد من الخبرات. 

ولا يتطلع الخطاط الفلسطيني لأي ربح مادي أو شهرة شخصية من كتابته المصحف الشريف، ويقول إن "هدفي الوحيد أن يرضى الله عني، ويتقبل هذا العمل صدقة جارية" لكن أمنيته الوحيدة أن يطبع كتاب الله بخطّه ويوزع على الفلسطينيين. 

ويضيف "على مدار مسيرتي الفنية التي بدأت قبل أكثر من ثلث قرن لم أفعل شيئًا أكثر أهمية من كتابة القرآن الكريم، هذا أقصى ما كنت أتمناه". 

أمنية كَلّوب أن يطبع القرآن الكريم بخط يده ويوزع على الناس (الجزيرة)

ترسيخ الثوابت
وعلى جدران الغرفة الصغيرة الأربعة، يجسّد الخطاط -المهجَّر من قرية هربيا المدمرة عام 1948- الثوابت الوطنية الفلسطينية على شكل لوحات زيتية، كالمسجد الأقصى، ومفتاح العودة، وبرتقال الأرض المسلوبة، والمقاومة. 

وما زال يستذكر الخطاط الخمسيني اعتقاله في سجون الاحتلال الإسرائيلي 18 يومًا عام 1981 بسبب رسمه كلمة "الانتفاضة" وتوزيعها في قطاع غزة، ويقول إنه أول من رسم تلك الكلمة من الخطاطين. 

ويقول إنه يحاول برسمه سواء الواقعي والرمزي ترسيخ حب الأرض الفلسطينية في عقول الأطفال والشباب، موضحا أنه أقام في سبيل ذلك معارض لرسوماته في جامعات غزة والضفة الغربية، لكن  الحصار القائم يحول دون عرض رسوماته خارج القطاع. 

وتوفر المعارض المحلية فرصة نادرة للخطاط من أجل تسويق رسوماته، لكن عائدها المادي يكون زهيدًا بسبب الأوضاع المادية المتردية في غزة، ويشير إلى أنه يبيع لوحاته بـ"سعر التكلفة" في غالب الأحيان. 

ويعمل الخطاط الفلسطيني حاليًا على رسم جداريات تعليمية وحقوقية ورسومات أطفال وزخارف، في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). 

ويقول كلوب إن المبدعين الفلسطينيين لا يجدون حاضنة لأعمالهم، فلا تقدم لهم الجهات الرسمية أو غيرها دعمًا ماديًا أو لوجستيًا للاستمرار في أعمالهم، ويعتمدون بشكل كامل على مجهودهم الشخصي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة