بورخس أيقونة الإسبانية بالقرن العشرين   
الثلاثاء 1432/7/14 هـ - الموافق 14/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)

يافطة تعلن عن احتفالية الكاتب بورخيس بالعاصمة الإسبانية (الجزيرة نت)

محسن الرملي-مدريد

أقامت مؤسسة بيت الأميركيتين بالعاصمة الإسبانية مدريد أسبوعا ثقافيا حافلا لتكريم وإحياء ذكرى الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخس، الذي يعد قدوة ومعلما لأغلب الكتاب المعاصرين باللغة الإسبانية وأيقونة آدابها بالقرن العشرين.

وجاء ذلك بمناسبة مرور 25 عاماً على رحيل بورخس في جنيف يوم 14 يونيو/ حزيران 1986. وقد تابعت الجزيرة نت الاحتفالية، حيث عرض باليوم الأول فيلم "الكتب والليل" للمخرج تريستان باوير الذي مزج فيه بين الوثائقي والمتخيل، متناولا عوالم بورخس عبر تجسيد بعض أعماله ومعطيات من حياته الشخصية وأفكاره، وبعد انتهاء العرض تمت مناقشته من قبل المخرج مع الجمهور.

أرملة بورخس
وفي اليوم الثاني جرى لقاء مفتوح مع أرملة بورخس، الكاتبة والمترجمة ماريا كوداما (64 عاما) وهي ابنة تاجر ياباني كان يقيم بالعاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس، وترأس الآن المؤسسة الدولية التي تحمل اسم زوجها الراحل، فتحدثت عن تجربتها معه منذ أن كانت طالبة عنده ثم سكرتيرة خاصة له فزوجة، وقالت إن علاقتهما "كانت منسجمة لتوافقهما كعقربي الساعة".

أرملة بورخيس الكاتبة والمترجمة ماريا كوداما تحدثت عن حياتها مع الكاتب (الجزيرة نت)
وأوضحت "لم أكن في يوم ما مثيرة للجدل، ولكنني شديدة الغيرة دائماً على الجوانب الحميمية من حياتي". وكشفت "لم يكن أحد يعرف بعلاقتنا حتى نشر قصيدته (القمر) التي أهداها لي، على الرغم من أن علاقتنا ترجع إلى ما قبل ذلك".

وقالت إن حياتها "صارت صعبة جداً منذ وفاة زوجها" حيث أشارت بأسف "بعد موته تعرضت للكثير من الطعنات، والأقاويل في الصحافة ومن الأصدقاء المزيفين والمدعين". ولكنها رضيت بقدرها وقررت تحمل المسؤولية لأنها عاشت تجربة فريدة "فقد كان همي الأول والأخير هو نشر أدب بورخس وتعريف الأجيال الجديدة به".

عالم سحري
وذكرت كوداما أن زوجها لم يكن بالشخص سيئ المزاج "على الرغم مما كان يبدو عليه من حب للتملك، فقد كنت أنا أتمتع باستقلاليتي، وكنا نحل خلافاتنا بمودة وبحيل يستخدمها الأطفال".

وعن جلسات عملها معه، قالت "أشبه بعالم سحري"، فبورخس "كان يتمتع بذاكرة حديدية، ولديه إمكانيات تجعله يغوص في المعنى الاشتقاقي لكل كلمة، وقدرة هائلة على المقارنة وربط الكتب ببعضها مما يقوده إلى عوالم مدهشة من التأمل". وفيما يتعلق بمستقبل إرث بورخس ومؤسسته من بعدها، قالت "إني أفكر بهذا الأمر منذ فترة وسأعمل ما أراه مناسبا".

وأكدت كوداما على ما سبق وأن أعلنت عنه حول نيتها كتابة مذكراتها "حفاظا على ذكر بورخس من التشويه" ووضع حد لما وصفته بالفوضى و"عدم الإنصاف" مؤكدة أن كثيرين قد كتبوا عنه دون أن يعرفوه "لذا فإن الأمر سيختلف عند الكتابة من وجهة نظر شخصية وعاطفية".

كما شاركت العديد من الشخصيات الثقافية البارزة بأيام هذه الاحتفالية فتحدث الشاعر الإسباني المعروف لويس غارثيا مونتيرو عن بورخس شاعراً، وذكر لقاءه به سنة 1984 حين قدموه له بالقول "هذا شاعر إسباني عمره 25 سنة" فقال بورخس بفكاهته المعهودة "آه، ذات مرة كان عمري 25 سنة أيضاً، ولكنني لا أدري فيما إذا كنت شاعراً".

الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغيل: بورخس يسيطر على الكلمات المعبأة بأكثر من معنى
 (الجزيرة نت)
وأشار مونتيرو إلى "قدرة بورخس على المزج الدائم للكلمات والمواضيع القديمة بالجديدة" وبأنه كشاعر قد تأثر به "لأنه علمني كيف أكون قارئاً أصيلاً وممارسا لتمرين القراءة دوماً، بحيث يصبح الكتاب جزءا منك وليس مجرد شيء بين يديك، كما أنه يشترط إعادة قراءته".

الكلمات والمعاني
وأضاف بأن كلمات بورخس عن لوركا قد صدمته آنذاك حين قال "إن موته يليق بشاعر وأتاح لماتشادو أن يكتب قصيدة رائعة". ومما رواه مونتيرو عن ذكرياته أيضا "صعدنا إلى بيته خمسة أشخاص وبعد خروجنا من لقائه شعرنا وكأن كل منا قد استمع إلى شيء مختلف منه، على الرغم من أننا استمعنا معاً إلى الحديث نفسه"، وفسر هذا بأنه بعض من قدرة بورخس وسيطرته على الكلمات المعبأة بأكثر من معنى.

أما الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغيل، صاحب كتاب (تاريخ القراءة) الذي كان يساعد بورخس في القراءة، نظراً لعماه، بين الأعوام 1964 و1968، فقد تحدث عن بورخس القارئ والناقد، وقال إن "هذه الثلاثية: بورخس شاعر، كاتب وناقد، ما هي إلا لعبة أخرى من لعبات بورخس، وكان للناشر دور فيها أكثر من بورخس نفسه، ذلك أن بورخس كان يكتب وحسب حتى دون التفكير في جنس الكتابة فكتب قصائد هي قصص أو نقد وقصص هي شعر ونقد هو قص أو شعر".

وقال مانغيل إن الكاتب الأرجنتيني الراحل "كان يكتب وهو يقرأ، ويقرأ وهو يكتب، وربما هو القارئ الذي انتهى كاتباً أو الكاتب الذي انتهى قارئاً".

وأضاف "إن بورخس كناقد كان يتخذ الأدب نفسه لقياس الأدب. لقد علمنا كيف نقرأ وبعد وفاته لن تكون قراءة الأدب بالطريقة نفسها" وأكد أن بورخس "كان منبعاً لا ينفد من الأفكار حول الأدب، وقلة هم الذين استطاعوا كتابة التأملات الخلاقة مثله عن الأدب".

ثم تحدث الكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيغليا عن قصص بورخس مشيراً إلى تقنية المرايا المتقابلة المدهشة فيها، وإلى المستوى الراقي والمعلم الذي أوصل إليه هذا الفن.

الكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيغليا وصف قصص بورخس بالرقي (الجزيرة نت)
في برشلونة
ومع انتهاء احتفالية بورخس في مدريد تنطلق فعاليات أسبوع آخر ببرشلونة، وتتضمن قراءة في أعماله وإقامة ندوات حولها وحفلات موسيقية. وسيكون حفل الافتتاح بعنوان "لحظة تكريم بورخس" حيث ستغنى سبع من قصائده بطريقة فولكلورية.

وفي الأيام التالية ستقام أمسية حوارية بعنوان "بورخس اليوم.. إعادة قراءة أعماله انطلاقاً من الحاضر" يشارك فيها عدد من الأكاديميين والمختصين بأعماله. وسيكون الاختتام بندوة تشارك فيها أرملته كوداما، والأديب التشيلي خورخه إدواردو الفائز بجائزة ثربانتس للآداب وسفير تشيلي في باريس. حيث سيتمحور النقاش حول حب بورخس والشاعر التشيلي بابلو نيرودا للثقافات القديمة في قارة آسيا.

يُشار إلى أن بورخس ولد في بوينس آيرس يوم 24 أغسطس/ آب 1899 ويعد أحد أبرز كتاب العالم بالقرن العشرين، تنوع نتاجه بين القصص والشعر والنقد والترجمات عن الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ومن بين أهم أعماله "كتاب الرمل" ومجموعته القصصية "الألف" المتأثرة بجوانب من الثقافة العربية والإسلامية وخاصة القرآن الكريم وكتاب ألف ليلة وليلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة