صحف باريس: شارون..رجل يثير الخوف   
الأربعاء 1421/11/15 هـ - الموافق 7/2/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


باريس-وليد عباس

نتائج الانتخابات الإسرائيلية وآفاق عملية السلام في الشرق الأوسط بعد انتصار أرييل شارون كانت الموضوع الرئيسي الذي احتل الصفحات الأولى في كافة الصحف الفرنسية الصادرة اليوم، وانعكست حالة من القلق الشديد على مصير مفاوضات السلام في ظل حكومة إسرائيلية يقودها شارون في العناوين الرئيسية والتعليقات التي نشرتها هذه الصحف.

قالت صحيفة الباريزيان في عنوانها الرئيسي "الرجل الذي يخيف العالم". ونشرت في صفحاتها الداخلية كاريكاتور يعكس مخاوف الفرنسيين من رئيس الحكومة الإسرائيلية المنتخب، حيث يظهر عرفات في هذا الكاريكاتور وهو يمد يده لمصافحة شارون قائلا له: "أريد تهنئة المنتصر"، ويرد شارون: "أي منتصر؟ إن الحرب لم تبدأ بعد".


 العرب لا يريدون الحرب، لأنهم يدركون مدى قوة إسرائيل

شارون -الباريزيان

وتحت عنوان تساءلت فيه الصحيفة "لماذا يثير الخوف؟" حاول أحد المقالات الإجابة على مجموعة من الأسئلة، مشيرا إلى صورة شارون السلبية على الساحة الدولية ناجمة عن قيامه بإشعال نيران الانتفاضة بزيارته لساحة المسجد الأقصى في سبتمبر/أيلول الماضي، وحول مصير عملية السلام، اعتبر المقال أن شارون يرث وضعا متفجرا، بعد فشل باراك، ولم تستبعد الصحيفة أن يرد رئيس الحكومة الجديد على هذا الوضع بالعنف، وبالنسبة لموقف الدول العربية، فإنها لم تنس أن شارون هو الذي قاد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، وفرض الحصار على بيروت، وإذا كان لبنان عاجزا عن حرب إسرائيل، فإن سوريا اكتفت بالتأكيد على مطالبها في إعادة الأراضي المحتلة عام 1967، ومصر ستتابع عن قرب القرارات الأولى لشارون، وكررت الصحيفة مقولة شارون بأن "العرب لا يريدون الحرب، لأنهم يدركون مدى قوة إسرائيل".

ركزت صحيفة ليبراسيون بدورها، على المخاوف التي يثيرها شارون رئيسا لحكومة إسرائيل قائلة في عنوانها الرئيسي "شارون .. التهديد"، ووصفته في مقال حول سيرته الذاتية بأنه "سياسي يشكل خطرا، حتى أن هنري كسينجر سأله قبل أعوام عما إذا كان أكثر رجال الشرق الأوسط خطورة، والسؤال يظل مطروحا حتى يومنا هذا"، وسردت الصحيفة محطات تاريخ شارون العسكري، مشيرة إلى أنه قام بغارة على معسكر مصري في قطاع غزة عام 1955، وقتل 38 جنديا مصريا، ونقلت الصحيفة عن عوزي بنزيمان كاتب سيرته الذاتية، أن العنف الذي مارسه شارون خلال هذه الغارة، كان وراء اقتناع جمال عبد الناصر باستحالة التوصل إلى سلام مع إسرائيل.

وأشارت صحيفة ليبراسيون في افتتاحيتها إلى تعليمات وزارة الخارجية الأمريكية للدبلوماسيين الأمريكيين بالكف عن استخدام تعبير "عملية السلام" واستبداله، في أفضل الأحوال، بتعبير "مفاوضات السلام" واستنتجت الصحيفة أن "الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش تسجل موت هذه العملية، إلا إن شارون المعارض للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي بدأت في أوسلو لا ينبغي أن يفرح لذلك، لأن مازال عليه إثبات قدرته على تشكيل حكومة منسجمة، ولأن الإدارة الأمريكية الجمهورية الجديدة التي لا تدين بالكثير لأصوات اليهود الأمريكيين والقريبة جدا من اللوبي النفطي في تكساس، لن تسمح له بأن يلعب دور الكاوبوي في حقل ألغام الشرق الأوسط، ومازالت تتذكر كلمة جيمس بيكر عندما كان وزير خارجية جورج بوش الأب واصفا شارون بأنه عقبة في وجه السلام".


الآن تتجمع كافة عناصر كارثة محلية وإقليمية، إذا لم يدرك المسؤولون الإسرائيليون دروس الانتفاضة الفلسطينية وانتخابات الأمس

لومانيتييه

واتفقت صحيفة لومانيتييه مع هذا التحليل مشيرة في افتتاحيتها إلى أن "أوضاع الشرق الأوسط اليوم تختلف عما كانت عليه قبل عامين، حيث يوجد في الأردن وسوريا زعماء دول ينتمون إلى جيل جديد، بينما تم انتخاب رئيس أمريكي جديد مرتبط باللوبي النفطي التكساسي، ولا يستطيع شارون الحكم اليوم وفق مفاهيم الماضي" .. "وينبغي عليه التفاوض مع عرفات لتجنب خطر الحرب وفقدان السيطرة على الوضع" .. "وينبغي على المسؤولين الإسرائيليين من اليمين واليسار أن يدركوا حجم الشرخ الذي وقع في بلادهم" .
وأضافت "ذلك أن انتخابات الأمس التي أدت إلى هزيمة باراك، لا تشكل انتصارا لشارون، وإنما كانت نتيجة لانتخابات لم يبرز فيها بديل حقيقي، والآن تتجمع كافة عناصر كارثة محلية وإقليمية، إذا لم يدرك المسؤولون الإسرائيليون دروس الانتفاضة الفلسطينية وانتخابات الأمس".

واعتبرت صحيفة الفيجارو أن تصويت الإسرائيليين في هذه الانتخابات جاء نتيجة شعور عاطفي بالغضب، واستندت في ذلك إلى استطلاع للرأي قام به المعهد الإسرائيلي من أجل الديمقراطية الذي يتألف من مجموعة من المحللين السياسيين الإسرائيليين المستقلين، حيث تعود هذا المعهد القيام باستطلاعات للرأي حول أربعة مشاعر للإسرائيليين تجاه زعمائهم، وهي الخوف والغضب، الفخر والأمل، وأفاد استطلاع الرأي هذا أن 63% من الإسرائيليين يشعرون بالغضب تجاه باراك الذي يضرب بذلك رقما قياسيا، ويتجاوز نسبة الإسرائيليين (43%) الذين عبروا عن الشعور ذاته تجاه نتانياهو عام 1999، ويستنتج المقال أن "المشاعر وليس التفكير المتزن هو حدد اختيار الأمس".


لقد انتهى زمن الاعتدال في الشرق الأوسط.. المعتدلون سواء في الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني لم يختفوا، وإنما انتقلوا تجاه المتطرفين

الفيجارو

وتتابع صحيفة الفيجارو "الناخبون غاضبون، أولا ضد نظام انتخابي غير مبرر، ذلك أن انتخاب رئيس الحكومة بالاقتراع العام أدى إلى فشل ذريع ووجود 17 حزبا في البرلمان أدى إلى حالة من الفوضى، حتى أن أحدا من رؤساء الحكومة الثلاث الذين تم انتخابهم في إطار النظام الجديد، لم يكمل فترته. والناخبون غاضبون، بشكل أساسي، ضد عملية السلام، فبعد أن كانت نسبة المعتقدين في إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام عام 1999، 76% لا تتجاوز هذه النسبة اليوم 22%.
ونقلت الصحيفة عن أحد المحللين الإسرائيليين قوله "ستظل هذه الانتخابات التعبير المباشر لانتهاء آمال الإسرائيليين في التوصل إلى السلام" .. "لقد انتهى زمن الاعتدال في الشرق الأوسط. المعتدلون سواء في الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني لم يختفوا، وإنما انتقلوا تجاه المتطرفين".

بينما يؤكد المؤرخ الإسرائيلي لصحيفة الفيجارو "أن المشاعر التي لعبت دورا هاما في هذه الانتخابات هي مشاعر شعب غير ناضج، لم يقبل، في حقيقة الأمر، تقديم التضحيات التي طلبها إيهود باراك، ذلك إن الإسرائيليين لم يتخلصوا من الأسطورة القائلة بأن قوتهم العسكرية كفيلة بفرض الحلول التي يريدونها على العالم العربي وعلى الفلسطينيين".

وفي مقال آخر أشارت صحيفة الفيجارو إلى أسباب هزيمة باراك، الذي تم انتخابه قبل حوالي العامين بناء على وعود، على المستوى الداخلي بتحويل المجتمع الإسرائيلي إلى مجتمع علماني، وعلى المستوى الخارجي، بتحقيق السلام مع السوريين واللبنانيين والفلسطينيين، ولكنه سرعان ما نسي وعوده الداخلية عندما اضطر للتحالف مع حزب شاس الديني المتعصب، وأثبت ترددا وسذاجة شديدة في مفاوضات السلام أدتا لفشل هذه المفاوضات.


افتقد باراك الموهبة السياسية، ولكنه لم يفتقد الرؤية التاريخية. وانتصار شارون إنما هو انتصار الديماجوجية على مسيرة التاريخ

لوموند

"خسارة كبيرة" قالت صحيفة لوموند في عنوان افتتاحيتها، مشيرة إلى أن باراك لم يتمكن منذ البداية من إقناع الإسرائيليين، ولم يحصل بالتالي على أغلبية برلمانية مريحة تدعم سياسته الفلسطينية، وبينما كان يدعو لتحقيق السلام، قام، في حقيقة الأمر، أوصل الأمور إلى شكل من أشكال الحرب مع الفلسطينيين، الذين لم يساعدوه واحتفظوا بلغة الحرب رافضين التفاوض حول قضايا مثل قضيتي اللاجئين والقدس" على حد تعبير افتتاحية صحيفة لوموند، التي قالت في الختام "افتقد باراك الموهبة السياسية، ولكنه لم يفتقد الرؤية التاريخية. وانتصار شارون إنما هو انتصار الديماغوجية على مسيرة التاريخ".

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة