الخروج من حالة الفزع الثقافي   
الاثنين 1436/9/20 هـ - الموافق 6/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:34 (مكة المكرمة)، 14:34 (غرينتش)

علي البتيري*

قبل الدخول إلى حالة الفزع الثقافي التي تصيب المثقفين العرب تحت وطأة هذه الصراعات العرقية والطائفية الدامية التي تجتاح مساحات واسعة من الوطن العربي، تحضرني واقعة ذلك الرجل العجوز الذي كان يعيش في قرية شمال سورية، وكانت قريته تتعرض لمداهمات الذئاب ليلا، حيث كانت هذه الضباع تنتقي فرائسها من أجساد سكان القرية واحدا تلو الآخر، مما جعل الرعب يتسلل إلى نفوس أطفال القرية، فيصابون بحالة من الفزع الليلي يفوق الفزع الذي يتلبس آباءهم وأمهاتهم بكثير.

لاحظ الرجل العجوز الفزع في عيون أطفال القرية، فامتشق عصاه وصمم على مواجهة الضباع، وبعد صراع معها تمكن من أسر ثلاث ضباع قام بتكبيلها وربطها بالحبال، وقادها إلى ساحة القرية في وضح النهار، وكأنه يريد أن يقول لأهل قريته المضبوعين بأن الخروج من حالة الفزع يتطلب الشجاعة والتصميم على مواجهة الخطر الداهم.

قهر الخوف
أخد أهل القرية يتساءلون قائلين: إذا كان هذا العجوز الذي زاد عمره على 72 عاما قد قام بأسر ثلاث ضباع مفترسة، فكيف بشباب القرية إذا ما امتلكوا شجاعته وتصميمه على التصدي بجرأة لتلقين الضباع درسا؟!

المثقفون العرب وجدوا أنفسهم محاصرين ومداهمين بثقافة هجينة ومرعبة تطرح نفسها عليهم بكل معطياتها ومخرجاتها الدامية والقائمة على التعصب الإقليمي والديني، ومثقلة بصدامات ونزاعات طائفية متصاعدة

وهكذا وجد أهل القرية أمام هذا المشهد الرائع أن لا حاجة ولا داعي للخوف من الضباع، إذا ما ظهر في وجهها رجال القرية كالأسود.

رأيت أن أستذكر هذه الواقعة التي حدثت بالفعل وتناقلتها الصحف ووسائل الإعلام الأخرى ذات يوم في مستهل الحديث عن حالة الفزع الثقافي التي أصابت نفوس وعقول المثقفين العرب، وقد وجدوا أنفسهم محاصرين ومداهمين بثقافة هجينة ومرعبة تطرح نفسها عليهم بكل معطياتها ومخرجاتها الدامية والقائمة على التعصب الإقليمي والديني، ومثقلة بصدامات ونزاعات طائفية متصاعدة لم يكن يتوقعها مثقف عربي واحد.

هذه الثقافة المستجدة بنظرياتها وتوجهاتها ذات النزعة الدكتاتورية المسلحة، لم تتصادم مع الثقافة العربية السائدة فحسب، وإنما زرعت الخوف والقلق المتصاعد يوما بعد يوم في وجدان المثقف العربي، وأربكت وعيه وأفقدته القدرة على المواجهة. بل وصل الخوف عنده إلى درجة الفزع الذي أصبح مرافقا له كظله، كلما مد خطوة على الطريق.

بعض المثقفين العرب آثروا الصمت ودفن أقلامهم في الرمال الساخنة، والبعض الآخر ضاق بحمل المواجهة الثقيل، ففضل التراجع واختار لنفسه الجلوس في المقاعد الخلفية في أي قاعة يمكن أن يجري فيها البحث عن باب للخروج من هذا الوضع المريع الذي ابتليت به أمتنا المغلوبة على أمرها، وحالها حال مثقفيها الذين يبدون في معظمهم كالمضروبين على رؤوس أقلامهم.

نعود إلى حالة العجوز القروي الذي أسر الضباع وجمع عليها أهل قريته المضبوعين، ونستذكر إلى جانب هذه الحكاية قصة الكاتب الأميركي الذائع الصيت إرنست همنغواي الموسومة بـ"العجوز والبحر"، والتي يصف فيها صراع رجل عجوز في البحر مع سمكة قرش مفترسة بتفوق ينتصر له الكاتب.

حزم فكري
لا نستحضر المثالين لمجرد الإعجاب بموقفي العجوزين القويين، وإنما لنطرح إمكان أخذنا للدرس والعبرة من هذين الموقفين ليكون لمثقفينا على طول الوطن العربي وعرضه موقف آخر يتسم بالحزم الفكري والتصميم الثقافي على التصدي لهذا الواقع المر والمؤلم بكل جرأة وشجاعة، وبإرادة متسلحة بالحكمة همها الدفاع عن منجزات ومكتسبات الثقافة العربية التنويرية.

المثقفون ناهضوا الأفكار والرؤى الظلامية الداعية إلى التجزئة والانقسام والتصادم، والمؤدية لتشرذم المجتمع العربي الواحد وتدمير قواه وبناه الحضارية بشكل يقود إلى الانهيار وإلغاء الهوية

لقد ناهض المثقفون الأفكار والرؤى الظلامية الداعية إلى التجزئة والانقسام والتصادم، والمؤدية إلى تشرذم المجتمع العربي الواحد وتدمير قواه وبناه الحضارية بشكل يقود إلى الانهيار وإلغاء الهوية العربية الإسلامية، مما يخدم أعداء هذه الأمة ويسهل لهم السيطرة عليها ونهب مقدراتها وثرواتها، حين تصبح في مهب الرياح المتعددة الجنسيات.

للخروج من حالة الفزع الثقافي هذه لا بد من مبادرة ثقافية ما تتسم بالجرأة والبسالة، وتفتح عيون المثقفين العرب على ما يمتلكونه من أسلحة وعي وإرث فكري عريق، ومن إرادة صلبة تستمد صلابتها من مخزون ثقافي هائل لو عملنا على استنهاضه وتوظيفه لتمكنّا من فتح أكثر من باب متاح للخروج من هذه الحالة البائسة والمعبأة بالخطورة إلى حد بعيد.

والسؤال الذي يطرح نفسه: من سيبادر إلى قرع جرس المواجهة والتصدي، وبالأحرى من سيعلق الجرس من المثقفين العرب؟

المطلوب ليس مبادرة مثالية حالمة تتجاوز الواقع المتردي دون أن تعمل معولها فيه، وليس مبادرة متأففة ومتشائمة تتحصن بالموروث وتغلق بابه عليها متلصصة من ثقوبه وشقوقه دون أن يكون في وسعها فعل شيء.

المطلوب مبادرة ثقافية جسورة -أو أكثر- تنتصر لمبادئنا القومية الوحدوية وتتصدى لكل ما يشوهها أو يؤذيها، والكرة الآن في مرمى الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب.
________________

* كاتب وشاعر فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة