معتقل كل العصور.. سيرة مناضل   
الخميس 1432/11/17 هـ - الموافق 13/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:17 (مكة المكرمة)، 8:17 (غرينتش)

غلاف كتاب معتقل كل العصور

محمد الأصفر

يسرد كتاب "معتقل كل العصور.. حياتي في الوطن" للمناضل اليساري المصري فوزي حبشي سيرة نضاله التي تجاوزت ستين عاما، تنقل فيها من سجن إلى آخر ساردا ما تعرض له من تعذيب من قبل كل الأنظمة السياسية التي حكمت مصر منذ عهد الملك فاروق، ومسببات سجنه وتداعياتها.

عايشت نضالات حبشي -خريج كلية الهندسة بجامعة القاهرة سنة 1946- كل المفاصل المهمة لتاريخ مصر والوطن العربي من حروب ونكسات وثورات وانقلابات، واعتمد في كتابه على رسائل متبادلة مع زوجته المناضلة اليسارية ثريا شاكر والتي تعرضت للسجن معه أكثر من مرة لنشاطها في منظمات الحزب الشيوعي بمصر، حيث كانا عند الاعتقال يتركان أطفالهما لدى الجيران.

رأيته مبتسما متفائلا في السبعينيات ومكتئبا في الثمانينيات والتسعينيات ومبتهجا باسما مرة أخرى في المؤتمرات المضادة للعولمة الرأسمالية التي شهدتها الألفية الجديدة
"

كل السجون
زار حبشي -المولود في المنيا بصعيد مصر عام 1924م - معظم سجون مصر من الاستئناف والهايكستب والعزب بالفيوم وسجن مصر إلى جبل الطور وأبو زعبل والقلعة والقناطر وطرة والواحات وغيرها جراء آرائه اليسارية، وتكرر ذلك كل الأنظمة التي تداولت على حكم مصر خلال العصر الحديث  من الملك فاروق وجمال عبدالناصر، فأنور السادات ثم أخيرا حسني مبارك عام 1987م، مما يمنحه ربما حق دخول موسوعة غينيس.

في الفصل 19 بعنوان "80 جنيه تقودني إلى طرة" يكتب حبشي "فيما بعد علمت أن المضبوطات التي وجدتها المباحث العامة في الشقة خطاب من ابني ممدوح حبشي وكان يدرس بألمانيا الغربية حينذاك، مرفقا به مبلغ مالي مائتي مارك ألماني -نحو ثمانين جنيها مصريا– يتبرع به ممدوح للشيخ إمام المغني الشهير الذي لم يكن له مصدر دخل ثابت سوى تبرعات المعجبين بأغنياته السياسية.. المشكلة أن عريضة الاتهام التي وجهت إلي اعتبرت أن الثمانين جنيها تلك تمويل من الخارج للحزب الشيوعي المصري!".

مارس حبشي الهندسة المعمارية داخل السجن وجعلها أداة تنفيس لما يتعرض له من ظلم وعذاب .. فصنع منها برنامجا نضاليا مفيدا لنفسه ولرفاقه.. هندسته التي تعلمها في جامعة القاهرة حولها إلى ثورة وإلى إبداع .. في الفسحة اليومية بالفناء فكر أن يجعل فناء السجن جميلا.. فهرب الجبس والبلاط والقيشاني والأنابيب ليصنع وسط الفناء أو الحياة نافورة تعبر عن رؤيته.

عندما أسس رفاقه مزرعة داخل السجن لتزودهم بالخضراوات ساهم معهم بتشييد خزان مياه يروي ما زرعوه من خضرة، وبعد أن شبعوا -على رأي  الروائي صنع الله إبراهيم- فكروا فيما هو أبعد من الطعام العضوي، فاقترحوا تأسيس مسرح،  ليصمم لهم حبشي مسرحا ويبنيه لتقدم عليه لاحقا مسرحيات مهمة في تاريخ المسرح المصري والعربي  مثل "حلاق بغداد"  للكاتب ألفرد فرج و"عيلة الدوغري" لنعمان عاشور وغيرهما.

عايشت نضالات حبشي -خريج كلية الهندسة بجامعة القاهرة سنة 1946- كل المفاصل المهمة لتاريخ مصر والوطن العربي من حروب ونكسات وثورات وانقلابات
رفاق النضال
الكتاب جاء سيرة ذاتية، فنجده حافلا بأخبار وحوادث لشخصيات شاركته سجنه، لم يتغن الكاتب بالذات أو يقفز في بحار النرجسية، كما نقرأ في معظم السير خاصة المحافظة منها، فزوجته ورفاقه كانوا محور الكتاب ولا يذكر اسمه إلا مقرونا بهم.

ويقول الروائي صنع الله إبراهيم في شهادته عنه "كانت نظرة واحدة مني إلى وجهه الصريح عندما نلتقي تنبئني بأحواله المعنوية دون حديث، وأجد صداها على الفور في نفسي، رأيته مبتسما متفائلا في السبعينيات ومكتئبا في الثمانينيات والتسعينيات ومبتهجا باسما مرة أخرى في المؤتمرات المضادة للعولمة الرأسمالية التي شهدتها الألفية الجديدة".

ويقول عنه د عبد العظيم أنيس "في سجن الواحات قام المهندس فوزي حبشي بأعمال إيجابية عديدة من بينها بناء المسرح الذي قدمت عليه العديد من المسرحيات مثل "عائلة الدوغري" لنعمان عاشور و"حلاق بغداد" لألفرد فرج، كما أنه لعب دورا أساسيا في إنشاء الجامعة الأهلية التي أسسناها في سجن الواحات".

أما محمود أمين العالم فيقول إن خبرته الهندسية لم تكن خبرة معمارية فحسب، بل كانت خبرة إنسانية أخلاقية، كان مهندسا إنسانيا قبل أن يكون مهندسا معماريا، ولهذا فكفاءته الهندسية المعمارية تطل دائما على الإنسان ومن أجل الإنسان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة