"الزيتون النبوي" مشهد آخر للموت بريف دمشق   
الثلاثاء 1436/3/8 هـ - الموافق 30/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:01 (مكة المكرمة)، 10:01 (غرينتش)

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

كان الخيار الأخير للسوري أبي نادر من ريف دمشق أن يقتطعَ واحدة من أشجار الزيتون التسع المتبقية في بستانه، بعد أن قضت عائلته الصيف تطبخ على "بابور الكاز"، واليوم مع اشتداد البرد لم يجد خياراً سوى اقتطاع شجرة متعبة قبل أن تسبقه إليها أيادي السارقين، فخشب الزيتون "بات سلعةً رئيسية في كل بيت بسبب ندرة الغاز والوقود".

ويقول أبو نادر (61 عاماً) للجزيرة نت إن جيش النظام حوّل أرضه إلى نقطة تمركز لقواته نهاية 2011، ومنعه من العمل في أرضه وقطف المحاصيل لموسمين متتاليين، ليفاجأ مع تقدم قوات المعارضة بتحول بستانه إلى أرض جرداء إلا من بضع أشجار.

لا يمكن لأحد أن يقتلع شجرة تجاوزت الأربعين عاماً دون أن يستعين بجرافة أو جرار زراعي، يضيف أبو نادر الذي يتهم الجيش النظامي باقتطاع أشجاره وسرقتها، وأيضا فصائل المعارضة التي "قطعت الأشجار لأغراض التدفئة والطبخ".

يتذكر أبو نادر كيف غرس مع أخوته شجيرات الزيتون الخمسين في أرضهم الكبيرة بسهل كوكب (جنوب دمشق) قبل أربعين عاماً، "قضيت سنوات شبابي وأنا أهتم بتلك الأشجار التي تكبر سنة بعد سنة، واليوم سأقتطعها بيدي التي غرستها" يقول أبو نادر.

قطعت قوات النظام في يونيو/حزيران 2012 أكثر من ألف شجرة بحجة إعاقتها العمليات العسكرية (الجزيرة)

الزيتون النبوي
المزارع الدمشقي أبو ثائر من منطقة بساتين اللوان (جنوب غرب دمشق) يروي للجزيرة نت "مأساته" التي بدأت حين لجأت قوات النظام مع بداية يونيو/حزيران 2012 لقطع أكثر من ألف شجرة بواسطة المعدات الهندسية في مناطق اللوان والصبارات حتى مدخل داريّا، بحجة أنها تعيق الأعمال العسكرية للجيش.

لكنهم اقتطعوا تلك الأشجار لبيعها في السوق -يتابع أبو ثائر- "كانوا يقتطعون أشجارنا بحماية الجيش، ولم يكترثوا لكونها أشجاراً مباركة زرعت في زمان النبوة الشريفة".

ويضيف أبو ثائر أن بستانه كان مصدر رزقه الوحيد، ويعيل أسرته من بيع الزيتون والزيت، ويختم أن لا "مهنة أخرى نتقنها سوى العمل في البساتين التي ورثناها عن أجدادنا".

ويرى مهندس سابق في مديرية زراعة ريف دمشق أن الغوطة الغربية لدمشق بدأت تفقد مقومات البيئة الخضراء التي تحيط بها وتعد أشجار الزيتون سمتها الأساسية عبر مئات السنين.

وعند سؤاله عن متوسط أعمار الأشجار التي اقتطعت في المنطقة، يرى المهندس -الذي رفض كشف اسمه خوفا من الملاحقة- أن في معضمية الشام وحدها نحو أربعة آلاف شجرة من أصل عشرة آلاف، يبلغ متوسط أعمارها ستين عاما،  لكن "الجريمة الكبرى" ارتكبتها القوات النظامية في بساتين كفر سوسة، حيث دمرت الجرافات العسكرية أربعة بساتين لأشجار معمرة تقدر بألف شجرة.

بدأت تفقد الغوطة الغربية لدمشق مقومات بيئتها الخضراء (الجزيرة)

دوريات للمعارضة
وخلص إلى أن مهندسين زراعيين من مديرية زراعة ريف دمشق حددوا أعمار هذه الأشجار المعمرة بين ثمانمائة وألف وأربعمائة عام، و"نحن نسميه في منطقتنا بالزيتون النبوي لمقاربة عمره عهد النبوة والصحابة".

ومع غياب الأرقام الدقيقة عن حجم الجرائم المرتكبة بحق آلاف الأشجار، تشير معظم المصادر إلى استخدام شجر الزيتون لأغراض التدفئة، حيث يشكل ارتفاع أسعار الوقود دافعاً رئيسياً لارتفاع الطلب عليها، حيث وصل سعر الطن الواحد إلى 35 ألف ليرة سورية ( حوالي 170 دولارا) في منطقة صحنايا الموالية للنظام.

ورغم تورط العسكر في عمليات الاتجار بأخشاب التدفئة، فإن ما بقي من هذه البساتين لا يزال عرضة للاندثار لاسيما في المناطق التي لا يسمح بدخول الوقود إليها.

ففي معضمية الشام، بدأت فصائل من الجيش الحر بإقامة نقاط حراسة لبساتين الزيتون وتسيير دوريات في الغابات للحد من الاقتطاع العشوائي لأشجار الزيتون، حيث فقدت المدينة مئات الأشجار مطلع الشتاء الحالي، بعد أن منعت قوات النظام دخول المازوت والغاز للمدينة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة