أمجد ناصر: الثورات لا تحدث كما تصورها الكتب   
السبت 27/4/1437 هـ - الموافق 6/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:33 (مكة المكرمة)، 13:33 (غرينتش)

المحفوظ فضيلي

في الحلقة الرابعة عشرة من سلسلة حوارات الجزيرة نت تسائل المبدعين عن الربيع العربي، نتوقف مع الكاتب والإعلامي الأردني أمجد ناصر الذي يرى أن الثورات والانتفاضات لا تحدث كما تصورها الكتب ولا كما تشتهيها، لأن الثورة فعل تاريخي يحتاج لتراكم ونظرية وإطار قيادي.

وعن دور المبدعين والمثقفين في الربيع العربي، يعتقد ناصر (1955) القادم من تجربة اليسار، أن الإبداع العربي لعب، ولكن ليس على نحو مباشر، دورا في ذلك الحراك، رغم ما أصابه من إحباط وانزواء في السنين الأخيرة السابقة على الربيع العربي.

وبخصوص مآلات ذلك الربيع وما تلاه من انكسارات وارتدادات، يقول ناصر إن "مصير بلادنا كلها على المحك" وإن "الأفق ليس وردياً ولا المهمة سهلة ولكن لا طريق أمام مثقفينا وشعوبنا إلا العمل على أن يكون الغد أفضل".

وفي ما يلي نص الحوار.

هل كنتم تتوقعون اندلاع "الربيع العربي"؟

   كلا لم أتوقعه. على الأقل ليس بالصورة التي حصل بها. كنت أعرف أن الثورة فعل تاريخي لا بد أن يقع، ولكن كيف ومتى؟ هذا هو الذي فاجأني. ولواحد مثلي قادم من تجربة اليسار العربي، كنت أتصور أن الثورة تحتاج نظرية وتحتاج إطاراً قيادياً لم يكونا متوفرين قبيل أن يشعل البوعزيزي ليل الاستبداد العربي بجسده.

 إلى أي حدٍّ تعتقدون أن الإبداع العربي لعب دورا -أو لم يلعب أي دور- في ذلك الربيع؟

    ليس على نحو مباشر. لا يوجد نص واحد قادر على تفجير مثل هذه الثورة بلمح البصر، لا بد من تراكم لكي تحدث الثورة التي هي فعل اجتماعي صعب ومعقد. أظن أن الإبداع العربي لعب هذا الدور رغم ما أصابه من إحباط وانزواء في السنين الأخيرة السابقة على الربيع العربي.

هناك مئات الكتاب والمثقفين الذين اعتقلوا في سجون الأنظمة العربية، هناك مئات إن لم يكن آلاف النصوص التي كانت تعمل على زعزعة عرش الاستبداد، وقد منعت أو صودرت. هناك مئات المثقفين والعقول العربية التي شردت ونفيت خارج أوطانها. كل هذا لا يمكن أن يؤدي إلى فراغ، لا بد له أن يحدث صدى.

وأظن أنه أحدث الصدى، فلم تكن انتفاضات الشباب العربي، في غير بلد، من فراغ ولا كانت منبتة الجذور. قد تكون ثورة الشباب المصري فاجأت العالم بعمقها واتساعها وملحميتها، غير أنها لم تهبط بالمظلة على ميدان التحرير.

كانت الإرهاصات يومية في الشارع المصري، كانت هناك مئات الاعتصامات والتجمعات الصغيرة والكتابات التي راحت "تشرشح" النظام، وقد تجمَّعت هذه كلها في مجرى واحد صبَّ في الطرق المؤدية إلى ميدان التحرير. ولا بد أن هذا كان يحدث في تونس أيضاً، الرائدة في هزّ حكم الأمن وجعله يهرب في طائرة في ليلة بلا قمر.

 كيف تقرؤون موقف المبدعين العرب ومواكبتهم الربيع العربي؟

 الثورات والانتفاضات لا تحدث كما تصورها الكتب، ولا كما تشتهيها الكتب، لقد انقسم المثقفون العرب بشأن ما حدث، خصوصاً بعدما أدخل الاستبداد انتفاضات الربيع العربي في أنفاق من الدم والظلام.

البعض نكص وتخندق في خندق النظام العائد من منفاه القصير ظناً أنه أهون من الفوضى، وبعض قليل بقي يرى أن حلفاً قوياً غير مقدس قام بين بقايا نظام الاستبداد العربي وبؤر عربية رجعية على خلفية تحالف وطيد مع الغرب الإمبريالي، وأن على المثقفين مواصلة النضال وفهم المتغيرات التي حدثت على الأرض.

صحيح أن الأفق ليس وردياً ولا المهمة سهلة، ولكن لا طريق أمام مثقفينا وشعوبنا إلا العمل على أن يكون الغد أفضل. وهذا لا يحصل، للأسف، من دون تضحيات. وها نحن نرى هذه التضحيات التي تقدمها شعوبنا في سبيل حريتها وغدها الأفضل مخضلة بالدم.

نحن لسنا أوروبا الشرقية التي استسلم فيها الاستبداد الحزبي لانتفاضات الشعوب من دون دم تقريباً. فتلك تظل، رغم كل شيء، أوروبا التي مرت قبلنا بحروب دينية وتحريرية دفعت فيها أثمانا باهظة حتى أمكن لها أن تبقى رغم الاستبداد الحزبي.

لم تكن تلك البلدان مملوكة للزعيم القائد ولا لعائلته وعشيرته، وهي تخلصت من هذا النوع من العلاقات منذ وقت طويل لذلك لم يقتل الجيش شعبه، بل لم يكن مستعداً للقتال في سبيل الحزب الحاكم.

على أي مدى (متوسط، بعيد..) ترون أن أهداف الربيع العربي (الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية) ستتحقق على أرض الواقع؟

الأفق ليس وردياً ولا المهمة سهلة، ولكن لا طريق أمام مثقفينا وشعوبنا إلا العمل على أن يكون الغد أفضل. وهذا لا يحصل، للأسف، من دون تضحيات.

أظن على المدى المتوسط في بعض البلدان التي لم تقع فيها حروب أهلية، مثل مصر وتونس، فالقوى التي حركت الثورة وقامت بها، الشبابية خاصة والمدنيّة عموماً، لا تزال موجودة، وليس ميؤساً من تحركها مرات أخرى.

أما الدول التي أدخلت في أنفاق الدم والحروب المذهبية فتحتاج وقتاً طويلاً لكي تشفى من جراحها هذه، إن خرجت موحدة أصلا.. فمن يضمن وحدة اليمن؟ من يضمن وحدة سوريا أو العراق بعدما تنتهي الحروب الدائرة فيها؟

للأسف هناك خرائط جديدة قد تكون في ذهن القوى الاستعمارية ولا نعمل نحن إلا على تطبيقها فعلياً على الأرض. ما يجري الآن في دول الربيع العربي التي أغرقت في الدم يحتاج إلى مقاربات جديدة وإلى قوى جديدة فوق طائفية وعابرة للعرقي والعشائري والمناطقي، وهذه قوى كامنة حتى الآن.

هل راكم الإبداع العربي ما يكفي من الرؤى والتصورات ليكون له دور ما في تحقيق تلك الأهداف؟
هناك رؤى جديدة كما قلت لك. وهي نابعة مما تغير على أرض الواقع، بيد أن العمل الإبداعي ليس وصفة شفاء جاهزة ولا هو عمل سحري، ليس هناك عمل فكري وإبداعي له هذه الطبيعة.. كما أن مثل هذه الرؤى تحتاج منابر متخلصة من التخندقات الطائفية والعرقية والسياسية الضيقة.. مصير بلادنا كلها على المحك وعلينا أن نرتفع إلى مستوى هذا التحدي الخطير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة