الاستعمار باق رغم الأمم المتحدة   
الأربعاء 1431/5/15 هـ - الموافق 28/4/2010 م (آخر تحديث) الساعة 20:24 (مكة المكرمة)، 17:24 (غرينتش)

الجمعية العامة حددت 2010 موعدا للقضاء على الاستعمار (الأوروبية-أرشيف)

محمد غلام-الدوحة

انقضت العشرية الأولى من القرن الحالي التي حددتها الأمم المتحدة في العام 2000 موعدا نهائيا للقضاء على الاستعمار، وواقع الشعوب المحتلة في فلسطين وفي غيرها لا يزال كما هو.

فرغم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2000 رقم 55/146 المعنون بالعقد الدولي الثاني للقضاء على الاستعمار الذي حدد العام 2010 موعدا لذلك، لم تعد هذه الظاهرة موجودة -وفقا للقانون الدولي حسب خبراء قانونيين عديدين- إلا في فلسطين وحدها، في حين لا تصنف حالات احتلال عديدة يعرفها العالم اليوم بأنها استعمار أو احتلال.

في فلسطين يجثم الاستعمار الوحيد الباقي على وجه الأرض (رويترز-أرشيف)
احتلال أم استعمار

غير أنه في فلسطين نفسها، حيث ما يزال المستعمر اليهودي يمارس أبشع صنوف الاستعمار على الشعب الفلسطيني، فإن كلمة "الاحتلال" (occupation) هي السائدة إعلاميا للدلالة عليه تخفيفا من وقع كلمة "الاستعمار" (colonization) المستهجنة.

ومن أمثلة الاحتلال المعروفة في واقع اليوم هي -بالإضافة إلى احتلال أراضي فلسطين التاريخية- احتلال سبتة ومليلة وجزر الفوكلاند وجبل طارق وغيرها، إضافة إلى الاحتلال الواقعي لكل من العراق وأفغانستان.

غير أن القانون الدولي -وإن صنف الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية دون بقية فلسطين على أنها مناطق محتلة- فإنه في بعض الحالات الأخرى يقف محايدا بين طرفي النزاع، وفي حالات أخرى يجاري نصوص اتفاقات شكلية بين المحتل ومن وقع عليه الاحتلال ويصبح الاحتلال شرعيا بحكم تلك الاتفاقات.

مناطق نزاع
ووفقا لكل من الدكتور إبراهيم يسري الخبير المصري في القانون الدولي والدكتور أحمد أبو الوفا أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، لا تعد مناطق سبتة ومليلة (اللتان تسيطر عليهما إسبانيا وتطالب بهما المغرب) وجزر الفوكلاند (التي تسيطر عليها بريطانيا وتطالب بها الأرجنتين) مثلا مناطق محتلة وإنما هي "مناطق متنازع على السيادة عليها"، ويقتصر دور القانون هنا على تحديد مسار حل ذلك النزاع سلميا، بالتفاوض أو بالتحكيم.

بيد أن الخطورة هنا تنبع من أن التحكيم عادة يستأنس بآراء سكان تلك المناطق، وقد يدعو إلى إجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير سكان الإقليم، وهو ما يتجاهل حقائق ضاغطة من قبيل الوفرة المالية لدى "المستعمِر" ورغبة السكان أحيانا في الاحتفاظ بنصيب منها. ومن هنا تلجأ الدول الفقيرة عادة إلى رفض التحكيم الذي قد يتجاهل الحقائق الجغرافية والتاريخية للمنطقة المتنازع بشأنها.

أما بخصوص العراق وأفغانستان مثلا فلا يكترث القانون الدولي في حالتيهما بمئات آلاف الجنود المنتشرين بعد غزو هو في نظر القانون الدولي نفسه غير شرعي، وذلك حين ينفي صفة الاحتلال عن ذلك الوجود بدواعي وجود اتفاقات أمنية مع أنظمة أفرزها الاحتلال نفسه.

الوجود الأميركي في العراق وأفغانستان لم يعد يسمى احتلالا حسب القانون الدولي (رويترز-أرشيف)
مفارقة
وهنا تبدو للعيان مفارقة غريبة، هي أن تلك الأنظمة تستمد كينونتها ووجودها من وجود الاحتلال نفسه، في حين يستمد الاحتلال شرعية وجوده من تلك الأنظمة، والحقيقة هنا أن الاحتلال يستمد شرعيته من نفسه.

ويبرر كل من الأكاديميين المصريين إصدار ذلك العقد –رغم انحسار الاستعمار قانونيا على الأقل- بالنواحي المعنوية المرتبطة بالتحذير من مخاطر الاستعمار والتأكيد على أن أي استعمار جديد سيكون مرفوضا من المجتمع الدولي، لكن ما الذي يفعله هذا المجتمع نفسه للقضاء على الاستعمار الماثل للعيان، عدا التوصيات والقرارات؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة