الجينات الوراثية سر الحياة والتنوع   
الأحد 20/6/1435 هـ - الموافق 20/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:12 (مكة المكرمة)، 9:12 (غرينتش)

*عمر الحياني

كانت البدايات الأولى لعلم الوراثة مجرد هواية لواحد من الطلبة الملتحقين بأحد الأديرة في منطقة مورافيا بالنمسا آنذاك، والذي أصبح في ما بعد من ألمع علماء الوراثة.

مارس غريغور يوهان منديل تجاربه في بساتين دير القديس توماس -الذي كان مركزا علميا بالإضافة إلى كونه مركزا دينيا- على نباتات البازلاء لمعرفة من أين تأتي الصفات لتلك النبتة التي تميل إلى التلقيح الذاتي من حبوب اللقاح التي تنتقل من زهرة إلى أخرى.

تلك البدايات التي حاولت فك لغز الحيرة الإنسانية القديمة حول التشابه والاختلاف في البشر والكائنات الحية على الرغم من أن أساس التكون الأولي لها جميعا هي خلايا التكاثر، والتي تكاد تتشابه في الشكل والمحتوى، لكنها تنتج ملايين الأنواع من الكائنات الحية بمختلف الأحجام والأشكال والألوان.

لقد كان شكّ علماء الأحياء يدور حول الحامض النووي (DNA) الموجود في نواة الخلية الحية، والذي تم اكتشافه عام 1869 على يد الطبيب السويسري فريدرك ميشر، حيث كانوا يعتقدون أنه المسؤول عن نقل الصفات الوراثية من جيل إلى جيل في الكائنات الحية.

وظلت حالة الشك وعدم اليقين حتى حلول عام 1953، حيث تمكن عالما الأحياء فرانسيس كريك وجيمس واطسون باستخدام الأشعة السينية من كشف تركيب الحامض النووي الحاوي لمواصفات أجسام الكائنات الحية والمكتوبة بطريقة رقمية على شريط طويل ودقيق من الحامض النووي مخزن في نواة الخلية، وهو من الصغر بحيث لا يمكن رؤيته إلا بأجهزة دقيقة ومتطورة.

وقد تم منحهما جائزة نوبل عام 1962 تقديرا لجهودهما في ذلك الاكتشاف الذي غيّر اتجاه العلماء نحو سؤال آخر عن كيفية انتقال المعلومات الوراثية داخل الخلية الحية.

ومنذ تلك الفترة التي اكتشف العلماء فيها الجينات أو ما يطلق علية "المورثات" التي تحتفظ بتشفير المعلومات المهمة للوظائف الحية، والعلماء مستمرون في رسم الخرائط الجينية للكائنات الحية.

والجينات هي الخرائط الأساسية للخلايا الحية التي تبني الأحماض النووية الحية للـ"دي إن أي"، ويتكون من وحدات بنائية أصغر تسمى النيوكلوتيدات (الوحدة البنائية للحمض النووي).

وبعبارة أخرى، فإن الجينات هي المخزن الأساسي للمعلومات الوراثية لكل الكائنات الحية, وتحمل الجينات المعلومات اللازمة لبناء الخلايا والحفاظ عليها والقيام بكافة الوظائف الحيوية في بناء أجسام الكائنات الحية، وإعطائها الصفات المميزة للكائن الحي. ويعتبر الجين وحدة بناء الأحماض النووية (دي إن أي).

وتنتقل المادة الوراثية من جيل لآخر خلال عملية التكاثر، بحيث يكتسب كل فرد جديد نصف مورثاته من أحد والديه والنصف الآخر من الوالد الآخر.

فك الشفرة
على الرغم مما ﺗﺜﻴره دراسات وأبحاث الجينوم البشري من ﻋﻘﺒﺎت ﺑﻴوﻟوجية وأخلاقية ﺗتطلب أقصى المعايير العلمية والأخلاقية، فقد استغرقت دراسة أول سلسلة جينيوم بشري 15 عاما، وشارك في هذا المشروع أكثر من 18 دولة وبكلفة تجاوزت ثلاثة مليارات دولار.

ومثّل ذلك أول مشروع لفك شفرة الجينات (ما يقرب من ثلاثين ألف جين بشري مختلف) من حيث تحديد أماكنها وترتيب النيكلوتيدات المكونة لها وتخزين تلك المعلومات في قواعد البيانات. ولنا أن نتصور حجم المعلومات الوراثية التي تتطلب نحو تسع سنوات ونصف السنة لقراءتها، ولذلك يعتبر هذا المشروع بمثابة خريطة تمكّن العلماء من البحث عن الجينات ومعرفة كافة المعلومات عنها.

ويتميز مشروع الجينوم بثلاثة أرقام أولها الرقم ٢٤، وهذا هو العدد المضبوط للطُّرُز اﻟﻤﺨتلفة من الكروموزومات في الإنسان الطبيعي.

والثاني هو الرقم ثلاثة مليارات، ويمثل تقديرا للعدد الكلي من أزواج القواعد في تتابع "دي إن أي" الإنسان، ولقد كان في الأصل تخمينا لكنه اتضح من البحوث العلمية أنه حقيقة، أما الرقم الثالث فهو عدد الجينات التي نمتلكها (ويتراوح عددها ما بين خمسين ألف ومائة ألف جين) تُسهم هذه الجينات في وجود ذلك العدد الهائل من الخصائص البشرية.

الجينوم الخاص بالقمح أكبر خمس مرات من الجينوم الخاص بالإنسان، إذ يتألف من 17 مليار زوج من القواعد المكونة للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (دي إن أي)

جينوم القمح
دفعت الحاجة والفضول العلماء إلى الانتقال من مرحلة الإجابة عن كيفية انتقال المعلومات الوراثية داخل الخلية إلى طور آخر من مراحل تطور علم الجينات بما يعرف بالهندسة الوراثية، أو ما يعرف بالتعديل الوراثي عن طريق التلاعب الإنساني المباشر بالمادة الوراثية للكائن الحي بطريقة لا تحدث في الظروف الطبيعية, وهي مرحلة الاستفادة من علم الوراثة في الجوانب الزراعية والطبية والصناعية.

وقد تمكن علماء بريطانيون لأول مرة من فكّ الخريطة الجينية لنبات القمح  بالغة التعقيد، ونجحوا في وضع مسودة لهذا الطاقم الوراثي الفريد لصنف يعرف باسم "القمح الربيعي الصيني".

وقد نشر العلماء في 27 أغسطس/آب 2010 نتائج هذه التركيبة الجينية بالغة التعقيد، وكشف كايث إدواردز -من جامعة بريستول- أن "الجينوم الخاص بالقمح يساوي خمسة أمثال حجم الجينوم الخاص بالإنسان"، إذ يتألف من 17 مليار زوج من القواعد المكونة للحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (دي إن أي) الأمر الذي شكل تحديا كبيرا بالنسبة للعلماء.

ويأمل العلماء أن يساعد هذا التمكن من رصد الخريطة الجينية لمحصول القمح -الذي يعتبر الغذاء الرئيسي لثلث سكان العالم- من معالجة مشكلة نقص الغذاء في العالم عبر استنباط طرق لزراعة محاصيل أكثر إنتاجية، وأكثر مقاومة لمواجهة خطر أزمة الغذاء العالمية في وقت أصبحت الآفات والكوارث والتغيرات المناخية والزيادات السكانية تهدد مستقبل المليارات من البشر بالمجاعة والموت جوعا.

الجين البشري
إن أكثر ما أثار دهشة علماء الأحياء في شريط الحامض النووي هو أن الطريقة التي تمت بها كتابة تعليمات تصنيع الكائنات هي الطريقة نفسها التي يستخدمها الحاسوب الرقمي لتخزين مختلف أنواع المعلومات في ذاكرته وفي تنفيذ برامجه.

وقد ترتب على هذا الاكتشاف العظيم تحول كبير في المفاهيم المتعلقة بالطريقة التي تمت بها عملية خلق الكائنات الحية من التراب، وخاصة تلك المتعلقة بنظرية التطور، والتي أصيبت بصدمة كبيرة بعد هذا الاكتشاف.

وضمن اكتشافات العلماء أن التخزين المعلوماتي لهذه الخرائط الجينية لا يتيح تعديل أي جزء من أجزاء الكائن الحي مهما بلغت بساطة تركيبته إلا من خلال تعديل المعلومات الرقمية المكتوبة على هذا الشريط, فمثل هذه الفكرة بالغة الذكاء لم تخطر على عقول البشر إلا في عصر الحاسوب والتخزين الرقمي الذي يتطلب تقنيات إلكترونية بالغة الصغر ومعقدة.

وتعتمد طريق العرض الخرائطي للجينات على شكل لفافة بالغة الذكاء، بحيث يمكن قراءة جميع التعليمات المكتوبة بشكل مباشر, فقد تم لفها على سطوح أسطوانات بروتينية يصل قطر الواحدة منها إلى ثلاثين نانومترا ولا يتجاوز طولها الميكرومتر الواحد، ويصل عدد لفات الشريط على الأسطوانة الواحدة مائة ألف لفة، ويطلق العلماء اسم الكروموسومات على هذه الأشرطة الملفوفة حول هذه الأسطوانات، والتي يتراوح عددها ما بين كروموسوم واحد في الفيروسات والبكتيريا وعدة عشرات من الكروموسومات في الكائنات الكبيرة.

رغم التخوفات من علم الجينات خلال القرن الحالي، فإن مستقبل هذا العلم ما زال في طور اكتشاف الخرائط الجينية لمعظم الكائنات الحية

أهمية علم الجينات
رغم التخوفات من علم الجينات خلال القرن الحالي، فإن مستقبل هذا العلم لا زال في طور اكتشاف الخرائط الجينية لمعظم الكائنات الحية.

وتنبع أهمية علم الجينات من أنه أحد أهم الاكتشافات المهمة في تاريخ الحضارة الإنسانية, فلأول مرة استطاع الإنسان معرفة الجينات المورثة لكل الصفات التي يحملها الإنسان، فلدينا حوالي ثلاثة آلاف مرض وراثي يستطيع العلماء التحكم في انتقالها والبحث عن علاجات فعالة لها.

فبين كل مائة طفل يولد طفلان أو ثلاثة مصابون بأحد التشوهات الجنينية الرئيسية، وحوالي 3% من الناس يولدون بتخلف عقلي، تعزى نسبة عالية منها إلى أسباب وراثية أو جنينية.

وتلعب الوراثة دورا مها في الإصابة بالعديد من الأمراض الشائعة، كارتفاع ضغط الدم والأمراض القلبية والسرطان والسكر والتخلف العقلي وانفصام الشخصية وبعض الأمراض الجلدية. وتعتمد الإصابة -في الأساس- على درجة الاستعداد الوراثي التي تقوم بتحديدها العوامل الوراثية المسؤولة عن تحديد كل الصفات الجسمية, سواء تلك التي تتعلق بشكل شحمة الأذن, أو بطول القامة, وكذلك تحديد بعض الصفات العقلية, حيث تلعب البيئة الدور الحاسم في تحديد الكثير من هذه الصفات, كالتصرفات والذكاء. وهنا علينا أن نتبين الأمر بدرجة أعمق قبل طرح الأسباب, فكثيرا ما استغلت الوراثة لتبرير الاضطهاد والفقر والتخلف الاجتماعي والتميز العنصري والاستعمار.

قبل عدة سنوات، كانت تجارب نقل المعلومات الوراثية من كائن لآخر تقوم على أساس استعمال الأساليب المعتادة في التكاثر الجنسي، لكن ذلك كله قد تغير الآن، فأساليب التقنية التي تهيأت للعلماء اليوم جعلت بالإمكان نقل قطع من أية مادة وراثية ومن أي مصدر كان إلى ما يعرف بـ"البلازميد"، الذي هو عنصر وراثي غير كروموسومي من عناصر البكتريا, أو إلى أي فيروس بكتيري، وفي كلتا الحالتين يتم زرع هذه القطع من الأداة الوراثية.

 _________________
*صحفي يمني متخصص في الشؤون العلمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة