سريان تركيا يستردون هويتهم الثقافية   
الأربعاء 1436/2/24 هـ - الموافق 17/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 11:39 (مكة المكرمة)، 8:39 (غرينتش)

خليل مبروك-إسطنبول


في منطقة يشيل كوي بمدينة إسطنبول، يتلمس عدد من الأطفال السُّريان خطواتهم التعليمية الأولى بلغتهم الأم في روضة أقيمت لهذا الغرض، وذلك بعد تسعة عقود من إغلاق آخر مدرسة سريانية في تركيا عام 1928.
 
وجاء إنشاء تلك الروضة بعد أن قرر القضاء التركي قبل عامين اعتبار السريان أقلية لها الحق في إنشاء مؤسساتها الخاصة وإعادة افتتاح مدارسهم ومراكزهم الطبية.

ويقول معاون رئيس الجماعة السريانية بإسطنبول كنعان غوردال إن السريان حاولوا عام 1950 افتتاح مدرسة لكن الحكومة رفضت ذلك، فعاودوا الطلب من حكومة رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو اللذين نصحاهم بالتوجه إلى القضاء لطلب قرار من المحكمة يعتبرهم أقلية، وهو ما تم فعلا عام 2012.

 غوردال يأمل إقامة مدارس وجامعات
سريانية في تركيا (الجزيرة نت)

طموح
وبعد قرار القضاء الأخير يأمل غوردال أن تتمكن الجماعة من إنشاء مستشفى ومدارس متوسطة وعليا وجامعات تتعامل بالسريالية لغة السيد المسيح عليه السلام، مضيفا أن هذه اللغة تراجعت بسبب اعتماد أصحابها اللغة التركية أو العربية في الجنوب بحكم اندماجهم في المجتمع.
 
وذكر غوردال للجزيرة نت أن تعداد السريان في تركيا يبلغ حاليا 25 ألفا، يقيم أكثر من 85% منهم في إسطنبول، بينما كان وجودهم التاريخي يتركز في ماردين جنوب تركيا حيث تجرى الاستعدادات لافتتاح مدرسة سريالية أخرى.

ووفقا لمسؤولين من الجماعة المسيحية الأرثوذكسية، يعود الوجود السرياني في تركيا إلى أكثر من 5500 عام، لكن أعداد أفراد الجماعة أخذت تتناقص بسبب هجراتهم الكبيرة إلى خارج البلاد عقب الاصطدامات التي صاحبت نهاية الحقبة العثمانية، خصوصا عام 1915.

ويرجع هؤلاء حرمان السريان من حقوقهم إلى عهد قيام الجمهورية التركية التي اعتبرتهم مواطنين أتراكا يتمتعون بكافة حقوق المواطنة مثل المسلمين، وحظرت عليهم بموجب ذلك إنشاء مؤسسات خاصة باعتبارهم قادرين على الاستفادة من خدمات الدولة ومرافقها دون استثناء.

وبخلاف الاعتقاد الشائع، ظل السُّريان طوال العقود الماضية يتمتعون بحقوقهم الدينية وبعمارة كنائسهم، ولم تتعرض أملاكهم للمصادرة من قبل الدولة، لكنها وقعت نهبا لتعديات المواطنين "الجيران" على الأراضي التي هاجر أصحابها إلى الدول الأوروبية وأميركا.

أطفال سريان على مدرج الروضة الخاصة
التي تدرس بلغتهم (الجزيرة نت)
ممتلكات
وقال غوردال إن السريان خاطبوا الحكومة بشأن استرجاع ممتلكات الغائبين وإنها تجاوبت مع هذا الطلب وأعادت لهم  ضيعة دير غابريال التي تبلغ مساحة أراضيها أكثر من 244 ألف متر مربع والتي ظلت ديرا سريانيا لأكثر من 1600 عام.
 
وبخلاف موقفها التقليدي الناقد للقرارات المخالفة لإرث إعلان الجمهورية، لم يصدر عن المعارضة التركية أي رد فعل رسمي أو تعليق ناقد لقرار السماح للسريان باستعادة حقهم في افتتاح مؤسساتهم التعليمية.

وقال الناشط اليساري حميد آيور للجزيرة نت إن الشعب التركي بكامله يرضى بقرارات القضاء ما لم تصدر عن "الإرادة السياسية الهادفة إلى الانقلاب على مبادئ الدولة العلمانية"، مشيرا إلى حق كافة الأتراك في التمتع بما يعتبره القانون حقا لهم.

وأشار المعارض التركي إلى أن الدولة العلمانية تضمن لجميع أبنائها حقوقهم الفردية ما لم تتعارض مع هوية الدولة وثقافتها، مؤكدا أن العلمانية في تركيا نجحت في حماية وحدة المجتمع رغم تعدد أقلياته العرقية والدينية.

يذكر أن أبناء الجماعة السريانية عرفوا في المجتمع التركي بالأنشطة الحرفية المدرة للدخل العالي، كسبك الذهب والصياغة وصناعة المجوهرات والتزيين والنقش على الحجر، وقد هاجر أغلبهم بعد انسداد آفاق العمل في تركيا مطلع القرن العشرين.

ويعول أبناء الجالية الباقون في تركيا على تنفيذ الحكومة لتعهداتها باسترداد أملاكهم من المتعدين عليها وإعادتها إلى أصحابها، الأمر الذي قد يشجع كثيرا من أبناء المهاجرين على العودة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة