الفلبين وإندونيسيا.. سيدتان طموحتان ورجلان مريضان   
الأحد 1422/2/26 هـ - الموافق 20/5/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

الدوحة - الجزيرة نت
عقد الكاتب والباحث الخليجي عبدالله المدني المتخصص في الشؤون الآسيوية مقارنة في صحيفة الراية القطرية بين الفلبين وإندونيسيا موضحا أوجه الشبه بين البلدين والتي جعلت منهما رجلين مريضين بينهما من القواسم المشتركة ما لا يعد ولا يحصي.

ويوضح الكاتب أوجه هذه المقارنة بالقول: احتكرت الفلبين طويلا لقب رجل آسيا المريض في إشارة إلى تخلفها وعدم قدرتها علي حسم مشاكلها الداخلية وتأمين الاستقرار اللازم للحاق بركب النمور الآسيوية، إلا أنه سرعان ما لحقت بها إندونيسيا لتقاسمها اللقب وليصبح في آسيا رجلان مريضان بينهما من القواسم المشتركة ما لا يعد ولا يحصي.

أوجه الشبه
فكلا الرجلين متميزان عن بقية جيرانهما لجهة الموروث الاستعماري، وكلاهما عبارة عن إرخبيل من الجزر غير المتصلة والممتدة فوق رقعة جغرافية واسعة، وكلاهما تعرضا لعهدين ديكتاتوريين علي يدي أسرتين سرقتا ونهبتا وقمعتا بطرق غير مسبوقة ولاتزالان تعملان بصورة أو بأخرى علي الساحة، وكلاهما يواجهان حركات انفصالية مسلحة بدوافع عرقية أو طائفية مختلطة بشعارات الظلم والحرمان والتهميش، تستنفذ طاقاتهما وتهدر إمكانياتهما وتنحدر بأوضاعهما الاقتصادية إلى القاع. وفي كليهما سطوة للمؤسسة العسكرية غير متراجعة رغم تأسيسهما للديمقراطية والحكم المدني، وفي كليهما أيضا تلعب المؤسسة الدينية الممثلة لعقيدة الأغلبية من المواطنين دورا محوريا في إلهاب العواطف وتجيش الشارع.


إذا كانت اللعبة قد سمحت بوصول ربة بيت لا تعرف ألف باء السياسة، مثل كورازون أكينو، إلى الرئاسة، فمن باب أولى أن تصل غلوريا

ومؤخرا اتسعت قائمة الصور المشتركة ما بين البلدين بوجود امرأتين طموحتين علي ساحتهما السياسية تعملان، وإن كان ذلك بأساليب مختلفة، من أجل الإمساك بمقاليد الأمور وتحقيق تطلعاتهما القديمة. وحتى في هذه الجزئية يجد المتابع تماثلا لجهة انحدار السيدتين من أسرتين سياسيتين عريقتين في بلديهما. ومع هذا فإنه تظل هناك فروقات وتباينات ما بين المشهدين الفلبيني والإندونيسي لجهة طبيعة الصراع الدائر ومدي قوة ونفوذ اللاعبين، ناهيك عن أساليب هذه الرموز مما حدا بنائبه رئيس الجمهورية الإندونيسية السيدة ميغاواتي سوكارنو بوتري إلى القول في معرض ردها علي الذين يشبهون بلادها بالفلبين ويشبهونها هي شخصيا برئيسة الأخيرة غلوريا ماكاباجال أرويو لا أندونيسيا هي الفلبين ولا ميغاواتي هي غلوريا.

أوجه الاختلاف
وإذا ما فتحنا أولا الملف الفلبيني، نجد أن غلوريا ماكاباجال قد حققت في العام 1998 جزءا من طموحاتها السياسية بوصولها إلي منصب نائبة رئيس الجمهورية، لكنها كانت تضع عينها علي منصب الرئاسة مدفوعة بكونها ابنة سياسي سابق معروف ومحام قدير ووزير خارجية أسبق ورئيس جمهورية في الفترة ما بين 1961 و1965 هو دياسدادو ماكاباجال ناهيك عن كونها حاصلة علي مؤهلات علمية وأكاديمية لا ينافسها فيها أي رمز من رموز الساحة السياسية في بلادها.

وبعبارة أخرى فإنه إذا كانت اللعبة قد سمحت بوصول ربة بيت لا تعرف ألف باء السياسة، مثل كورازون أكينو، إلى الرئاسة، فمن باب أولى أن تصل هي. وهكذا فبدلا من الانتظار إلى حين إجراء انتخابات رئاسية جديدة قد تحيط بها صفقات سرية تؤدي إلى استبعادها من السباق، وجدت غلوريا في استياء النخب السياسية التقليدية وأنصارهم من تايكونات المال والأعمال من حكم جوزيف إسترادا أو الرجل القادم من خارج دوائرهم والممثل لمصالح وتطلعات فقراء الفلبين المتعارضة مع مصالحهم، فرصتها لدفع طموحاتها الرئاسية إلى الأمام. وتمكنت في يناير الماضي من دخول قصر مالاكانيان الرئاسية كزعيمة جديدة للبلاد تحت حراب الجيش الذي اقتاد جوزيف إسترادا بعيدا عن القصر.

عسكرة الديمقراطية


خلقت غلوريا، بمشاركتها الفعالة في تجييش الشارع ضد الرئيس المنتخب ثم باستخدامها للعسكر كأداة لتنفيذ رغبات الشارع الهائج والمطالب برحيل إسترادا، سابقة خطيرة في الحياة الديمقراطية

ويوضح الكاتب كيف استغلت الشارع
والعسكر معا لتصل إلى ما تريد فيقول: بهذا رضيت غلوريا باسم الديمقراطية والشفافية أن يكون وصولها إلى السلطة عبر العسكر أي بطريقة غير ديمقراطية ومخالفة لبنود دستورية صريحة تقول إن توليها الحكم لا يمكن أن يكون دستوريا إلا إذا خلا منصب الرئاسة بالوفاة أو العزل القضائي للرئيس أو الاستقالة الصريحة، وهي حالات لم تحدث أو لم يتح المجال لحدوثها، وبعبارة أخري خلقت غلوريا، بمشاركتها الفعالة في تجييش الشارع ضد الرئيس المنتخب ثم باستخدامها للعسكر كأداة لتنفيذ رغبات الشارع الهائج والمطالب برحيل إسترادا، سابقة خطيرة في الحياة الديمقراطية. هذه السابقة التي سرعان ما اعتمدها أنصار إسترادا في أواخر أبريل المنصرم.

ويقول الكاتب: والحال أن غلوريا فتحت بابا باسم الديمقراطية ومن أجل الشعب ثم راحت تحاول صد هذا الباب باستخدام أدوات غير ديمقراطية وضد إرادة قطاع واسع من الشعب. من ذلك أنها في الوقت الذي كان فيه المتظاهرون يحاصرون قصرها كانت هي في الداخل تجتمع مع عسكرها، وليس مع جهاز الأمن الداخلي، وتدرس معهم وسائل حماية نظامها بالقوة، معيدة إليهم دورا كان من المأمول أن يتواري لحساب الحكم المدني منذ الإطاحة بفرديناند ماركوس في عام 1986. ولا يعرف حتى الآن الثمن الذي وعدت به غلوريا العسكر لمعاونتها، لكن المؤكد أن دور الجيش سوف يتعزز في ظل ديمقراطية الفلبين الهشة من الآن فصاعدا.

استقرار ملغوم
ولئن استتب الوضع الآن لغلوريا فإن احتمالات تدهوره لاتزال قائمة كما يقول الكاتب بفعل الاحتقان القائم في أوساط غالبية الفلبينيين ممن يرون أن العهد الجديد لا يمثلهم بقدر ما يمثل طبقة الأغنياء والنخب التقليدية. ولأن غلوريا تعلم هذه الحقيقة مثلما تعلم أن الجيش لن يوفر لها مهما كانت قوته عهدا بعيدا عن الإضرابات، ولأن 80% من الأصوات الانتخابية هي في جيب المعدمين والفقراء والمهمشين، فإنها راحت في الأسابيع الأخيرة تتقرب من هذه الطوائف والأطياف بدءا بزيارة إسترادا في معتقله للاطمئنان علي أوضاعه ثم فتحها لقنوات اتصال مع الساسة والبرلمانيين الذين اعتقلتهم، ناهيك عن تأكيداتها لمن زارتهم في ضواحي البؤس المحيطة بالعاصمة بأنها منهم وإليهم عبر الإشارة المتكررة إلي جدتها التي لم تكن سوي عاملة مصبغة فقيرة.


علي عكس ما فعلته غلوريا ماكاباجال في الفلبين، لم تلق ميغاواتي سوكارنو بوتري ثقلها ضد رئيسها ولاتزال ظاهريا مسيطرة علي طموحاتها ومتمسكة بالقواعد الدستورية

إندونيسيا.. صراع النفوذ
وينتقل الكاتب إلى إندونيسيا ليسلط الضوء على الصراع الموجود فيها والذي يدور من أجل النفوذ والسطوة فيقول: علي العكس من الفلبين التي يدور فيها، بحسب ما تبين لنا من السطور السابقة، صراع سياسي ذو خلفية طبقية، فإن الصراع في إندونيسيا لا علاقة له بالطبقية بقدر ما هو صراع من أجل النفوذ والسطوة ما بين قوى سياسية طموحة لكل منها أجندتها الأيديولوجية المختلفة إلي حد ما.

وعلى الرغم من هذا الخلاف إلا أن الكاتب يكشف عن الجانب الآخر من التشابه فيقول: كما في المشهد الفلبيني نري في المشهد الإندونيسي سيدة طموحة تستمد شعبيتها من إرث سياسي لأسرتها هي ابنة بطل الاستقلال أحمد سوكارنو السيدة ميغاواتي سوكارنو بوتري، التي حال بعض القوي السياسية عبر ما أبرمتها من صفقات خلف الكواليس بينها وبين السلطة في أعقاب الانتخابات البرلمانية في عام 1999، رغم حصول حزبها علي الأغلبية النسبية في مقاعد البرلمان، فرضيت بمنصب نائب الرئيس وتجاوزت صدمة استبعادها وبكائها وتصريحها بأنها تلقت طعنة في ظهرها ممن كانت تحسبهم رفاقا وحلفاء.

حلفاء واحد ينقلبون
ويقول الكاتب لكن تلك القوي السياسية التي أتت بزعيم حزب نهضة العلماء عبدالرحمن واحد كرئيس للجمهورية علي حساب ميغاواتي وكانت تعتقد أنها بذلك تخلصت من زعيمة ذات شعبية كبيرة وسلمت الرئاسة إلي رجل شبه كفيف وعديم الكاريزمية وبالتالي يمكنها التسلق عبره لتحقيق طموحاته، سرعان ما بدا لها أن أحلامها غير ممكنة التحقق بفضل مناورات وحيد وتمسحه برأيه وصلاحياته، فقررت العمل علي إقصائه. وهنا حدث ما حدث في الفلبين المجاورة لجهة نجاح بعض القوي السياسية في الإطاحة بالرئيس المنتخب إسترادا عبر التركيز علي فساده كمبرر وعبر حشد الشارع كأداة.

تحفظ ميجاواتي
ويكشف الكاتب في ختام مقالة الفرق الجوهري بين النموذج الفلبيني والنموذج الإندونيسي بالقول: علي عكس ما فعلته غلوريا ماكاباجال في الفلبين، لم تلق ميغاواتي سوكارنو بوتري ثقلها ضد رئيسها ولاتزال ظاهريا مسيطرة علي


ميجاواتي تبدو أكثر حرصا علي ديمقراطية بلادها واكثر تشددا لجهة ركوب الموجة من أجل طموحاتها الرئاسية , فيما نجد غلوريا صاحبة المؤهلات العالية, لا تجد حرجا في خرق الدستور والقبول بدور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية

طموحاتها ومتمسكة بالقواعد الدستورية، في ما رموز حزبها الحزب الديمقراطي الإندونيسي من أجل النضال يرددون أن زعيمتهم ليست متحمسة للوصول إلى قيادة البلاد بأي ثمن, وتدرك جيدا أن أي محاولة غير دستورية للقفز إلى السلطة يعني إغضاب مؤيدي حزب نهضة العلماء الكثر وميليشياته المنظمة الذين يمثلون أحد الأركان المهمة في المجتمع الإندونيسي، وبالتالي الدخول في مواجهات شارعية دامية وربما حرب أهلية واسعة.

ويصل الكاتب إلى نتيجة مفادها أن ميغاواتي المعروفة بتواضع مؤهلاتها العلمية والسياسية تبدو أكثر حرصا علي ديمقراطية بلادها أكثر تشددا لجهة ركوب الموجة من أجل طموحاتها الرئاسية واكثر ميلا نحو استبعاد أي دور سياسي لعسكر بلادها حتى وإن كان هذا الدور كفيلا بإيصالها إلى الرئاسة فيما نجد غلوريا صاحبة المؤهلات العالية وابنة الرجل الذي لعب دورا كبيرا في وضع دعائم الديمقراطية الفلبينة في فترة ما قبل الحقبة الماركوسية، لا تجد حرجا في خرق الدستور والقبول بدور للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية من أجل إضفاء الشرعية علي عهدها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة