تونس .. ثورة بلا رأس   
الاثنين 1432/8/25 هـ - الموافق 25/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 0:54 (مكة المكرمة)، 21:54 (غرينتش)

مظاهرات سابقة في سيدي بوزيد ضد نظام زين العابدين بن علي (الفرنسية)

تناولت دراسة جديدة نشرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ذكريات وأياما مجيدة عن الثورة التونسية، رواها القادة الحقيقيون للثورة التي دشنت الربيع العربي، وهم نشطاء في مهدها سيدي بوزيد ومعقلها الثاني القصرين. 

وأعد الدراسة الدكتور العربي صديقي بعنوان (تونس: ثورة المواطنة.. ثورة بلا رأس)، كيف كان الطريق إلى سيدي بوزيد ومن هناك إلى شارع بورقيبة في قلب العاصمة تونس.

وتحاول الدراسة أن تجيب على سؤال، كيف استطاعت الثورة أن تسير بلا رأس إلى اللحظة الفاصلة بتاريخ تونس وهروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي؟ ويقول صديقي إن الثورة التونسية حققت إنجازها رغم أنها كانت بلا قيادة لأسباب خاصة بالحالة التونسية، من بينها أن المحرك الرئيس للتغيير هو الشباب الذي يشكل ما يقارب 43.7%.

وثانيا أن الثورة بدت في مرحلتها الثانية أكثر تأطيرا وتوجيها من مرحلة احتجاجات سيدي بوزيد. والعامل الآخر هو التحاق قوى المجتمع المدني والأحزاب بالثورة وأبرزها الاتحاد العام التونسي للشغل الذي أسهم في زيادة الزخم الجماهيري وصمود القوى والفعاليات في الشارع إلى أن أجبر بن علي على الهرب.

وأكد الدكتور العربي صديقي أن تفشي الفساد خلال حكم بن علي وسيطرة عائلة الطرابلسي على 40% من اقتصاد البلاد قوض الصورة التي سعى النظام والغرب إلى نسجها عن التطور الاقتصادي في تونس، فيما كانت البطالة تنهش جسد المجتمع، خاصة في المناطق الداخلية التي وصلت فيها نسبة العاطلين ممن بلغوا سن العمل إلى 50%. وتمثل سيدي بوزيد والقصرين، وفقا للدراسة حالات صارخة للفقر المدقع والمعاناة المستمرة من البطالة.

الدراسة تؤكد أن محمد البوعزيزي ساهم في كسر حاجز الخوف عند التونسيين (الجزيرة)
محفزات الثورة
واعتبرت الدراسة أن للثورة محفزات أسهمت في استمرارها ونجاحها في إسقاط النظام وهروب الرئيس بن على، من بينها الاعتماد على وسائط الإعلام الإلكتروني خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، التي مثلت حلقة تواصل أفقي ضمنت وصول صوت المحتجين إلى قطاع كبير من الشباب التونسي، بالإضافة إلى العالم الخارجي.

كما تشير الدراسة إلى أن غلبة الطابع الجهوي العائلي على أسلوب حياة الناس في منطقة سيدي بوزيد حيث اندلعت شرارة الثورة، كان له دور، مشيرة إلى مساهمة عائلة البوعزيزي الكبيرة في إبقاء حركة الاحتجاج قائمة لأطول فترة ممكنة.

وتضيف الدراسة ما تسميه العفوية والدافعية الذاتية، لأن أغلب من خرجوا في هذه الثورة هم من الشباب غير المنتمي إلى التيارات السياسية، إضافة إلى أن أزمة الثقة بين بن علي والشعب ساهمت في إشاعة مشاعر اليأس من وعود بن علي في خطاباته الثلاثة قبل هروبه.

كما تؤكد الدراسة أن عصا الأمن الغليظة التي استخدمها بن علي لتحويل تونس إلى جدر أمنية خلق حالة من الجمود السياسي والإحباط الاجتماعي، وضعف مستوى إنتاجية الفرد، وولد أزمات متلاحقة على رأسها البطالة والبؤس الاجتماعي وعزوف عن المشاركة السياسية الفاعلة في الحياة العامة.

ويشير الدكتور العربي صديقي في دراسته إلى أن قضية الشاب محمد البوعزيزي وشباب سيدي بوزيد الذين كانوا يبحثون عن كرامتهم كسروا حاجز الخوف، إضافة إلى استلهام الثوار كلمات النشيد الوطني التونسي، التي جمعت بين شعر أبي القاسم الشابي والشاعر المصري محمد صادق الرفاعي، لرفع مطالبهم بالتغيير والحرية في وجه بن علي.

وحددت الدراسة السمات العامة للثورة التونسية في ثلاث نقاط، هي: سلمية الطابع، حيث واجه الشباب بصدور عارية رصاص أعوان الأمن، والتفوق الأخلاقي، الذي حمل الثوار على عدم تقصد الانتقام الثأري من أركان النظام وأعوانه من الأجهزة الأمنية، وأخيرا تجلي الحس الوطني بإنشاء اللجان الأمنية لحماية الأحياء والممتلكات بعدما حاول النظام المخلوع خلق حالة من الفوضى في المدن والأحياء الثائرة.

وخلص العربي صديقي في دراسته إلى أن الثورة التونسية تؤكد حقيقة أن الشعب لا يمكن تدجينه وقمعه مدى الحياة، ولا بد من حدوث لحظة "الإرادة".

وختم يقول إن ثورة تونس ثم ثورة 25 فبراير/شباط 2011 العظيمة في مصر تجدد الأمل في ديمقراطية عربية تأتي من داخل الوطن العربي، وتثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العرب قادرون على التغيير وحدهم لا عبر الغرب، في حين أن التجربة الدموية التي قادتها الولايات المتحدة للدمقرطة في العراق لم تأت بالديمقراطية بقدر ما جاءت بالخراب والدمار.  

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة