عبد الباري عطوان.. رحلة طويلة من المخيم للصفحة الأولى   
الثلاثاء 1430/3/28 هـ - الموافق 24/3/2009 م (آخر تحديث) الساعة 4:31 (مكة المكرمة)، 1:31 (غرينتش)

عبد الباري عطوان (يسار) متحدثا للجزيرة نت في الدوحة (الجزيرة نت) 


المحفوظ الكرطيط-الدوحة

بعد النجاح الذي حققه كتابه "التاريخ السري للقاعدة" يعود الصحفي الفلسطيني عبد الباري عطوان ليطل على القراء من زاوية أخرى يمتزج فيها الشخصي بالمهني والسياسي.   

فقد صدرت له مؤخرا النسخة الإنجليزية من مذكراته بعنوان "وطن من كلمات -رحلة فلسطيني من مخيم اللاجئين إلى الصفحة الأولى"، يروي فيها رحلته الطويلة من مخيم دير البلح في قطاع غزة إلى أن أصبح وجها إعلاميا بارزا ومألوفا لدى مشاهدي بعض الفضائيات العربية والدولية.

ورغم طابع السيرة الذاتية الذي يطغى على تلك المذكرات بما تتضمنه من مسار حياة ومحطات شخصية كثيرة فإن المؤلف، الذي يدير رئاسة تحرير صحيفة "القدس العربي" في لندن، يصر على أن يعتبرها سيرة جماعية لمنطقة بكاملها ولشعب لا يزال يقاوم بعثا عن الاستقلال والكرامة.

الجزيرة نت التقت عبد الباري عطوان في الدوحة على هامش منتدى الجزيرة الرابع وكان لها معه حوار طويل حول مذكراته وخلفيات كتابتها وأسلوبها ولغتها وجمهورها والمسكوت عنه فيها. وفيما يلي نص المقابلة.


 كتابة السيرة الذاتية أو المذكرات بما يقتضيه ذلك من بوح يبقى في ظل التقاليد الأدبية آخر عمل يقوم به المعني بالأمر كاتبا كان أو رجل سياسة. ما الذي دفع عبد الباري عطوان إلى كتابة مذكراته في هذه المرحلة من العمر حيث يبدو أن الرحلة لا تزال متواصلة والمحطات كثيرة؟

عبد الباري عطوان: هناك مدرستان لكتابة المذكرات أو السيرة الذاتية. هناك مدرسة عربية في غالبها تقول إن الإنسان يجب أن يكتب هذه السيرة بعد أن يتقاعد ولا يجد شيئا يفعله فيتسلى بكتابة مذكراته. وهناك مدرسة أخرى تقول بأن على الإنسان ألا ينتظر حتى يتقاعد وتضعف ذاكرته وينفض عنه الناس والأضواء فيعود لمحاولة استجداء هذه الأضواء والقراء من خلال كتابة هذه السيرة.

أنا شخصيا بحكم أنني أعيش في بريطانيا منذ 30 عاما وجدت أن المدرسة الأولى أي انتظار التقاعد للكتابة تقتصر على عدد قليل من الناس، فاخترت المدرسة الثانية التي تقول إن الإنسان يجب أن يعكس تجربته مرة أو مرتين أو أكثر، يعني يعكسها أفضل كثيرا لأن ذلك يكون ربما مقدمة لمراحل عدة.

أنا أحسست بأن المرحلة الأولى من حياتي تستحق أن تسجل بطريقة مختلفة وربما تأتي إضافات أو إعادة صياغة لاحقا. وهناك أشياء كثيرة لم أقلها في هذه المذكرات قد أقولها بعد ذلك عندما أكون أكثر جرأة، وربما يكون الظرف أحسن، لا أعرف.

للإشارة فهذه ليست سيرة ذاتية بالمعنى الضيق للسيرة أي ولدت في كذا أنا وذهبت إلى كذا وجئت إلى كذا. أنا كتبت عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال رحلاتي ومسيرتي الصحفية. الرحلة تبدأ من المخيم حيث ولدت في ظروف صعبة وبائسة.

قدمت المخيم بصورة مختلفة كليا بعيدا عن الشعارات كأني أكتب مثل روايات نجيب محفوظ عن عوالم القاهرة. قدمت المخيم بكل صوره، قدمت الغرام في المخيم والتضحية والفداء في المخيم. قدمت أسرتي بكل صدق وبدون أية مبالغة ثم بعد ذلك خرجت إلى الأردن، وصورت رحلتي من المخيم إلى الأردن. كان ذلك الانتقال بالنسبة لي أول صدمة حضارية أي الانتقال من مجتمع المخيم إلى مجتمع مدني فيه نساء جميلات وشوارع نظيفة وطرق معبدة وعمارات عالية وسيارات وما شابه ذلك.

ثم تحدثت من خلال المخيم يعني مثلا عن ظهور المقاومة الفلسطينية في تلك الفترة والعلاقة بينها وبين المجتمع الأردني والعلاقة بين المنظمات لكن بطريقة مختلفة.

تحدثت عن قصتي عندما كنت عاملا في مصنع لتعليب الطماطم وكيف اشتغلت سائقا لحافلة قمامة في أمانة العاصمة الأردنية ومن خلال هذا قدمت المجتمع. فأنا لا أسرد سيرة شخصية بقدر ما أسرد سيرة مجتمع وسيرة ثورة وسيرة منطقة.

"
طبعا هناك الكثير من المسكوت عنه في هذه المذكرات. لو قلت كل شيء لطلقتني زوجتي وهي سيدة فاضلة لا أريد أن أخسرها. تعرضت لرقابة شديدة جدا من قبل زوجتي وابني وبنتي. كانوا يقرؤون الكتاب فصلا بعد فصل ويعترضون على بعض الأشياء

"
بعد ذلك انتقلت إلى مصر وقدمتها في مرحلة الغليان قبل حرب أكتوبر 1973 أثناء حرب أكتوبر، والمرحلة الانتقالية بين الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس أنور السادات وما رافقها من تغيير في المنهج وتغيير في السياسة وفي النفسية وفي المجتمع.

تحدثت عن ليبيا وسفري إليها وأول عمل صحفي هناك وكيف دخلت عالم الصحافة بالصدفة. تحدثت عن الصدمة الحضارية لما سافرت إلى لندن: قصة إنسان قادم من قاع المجتمع إلى عاصمة الضباب والمفارقات التي حصلت. وحكيت عن المجتمع الغربي وعن الإعلام الغربي. تحدثت عن فلسطين وعن العودة إلى فلسطين لأول مرة بعد اتفاقات أوسلو 1993 وكيف وجدتها كيف وجدت قطاع غزة وأهلي المنحدرين من بلدة أسدود.

ثم تحدثت في فصل خاص عن علاقتي مع ياسر عرفات والجوانب الأخرى التي عرفتها في ياسر عرافات ولم يعرفها الآخرون. قصدي أنني لم أكتب سيرة ذاتية كتبت سيرة منطقة من خلال رحلتي.


ماذا عن عنوان الكتاب الذي يمتح ماهية من قصيدة لمحمود درويش؟ هل اختيار هذه الاستعارة تكريم لروح الفقيد أم لإضفاء نفحة أدبية على المذكرات؟ ما دلالات ذلك الاختيار؟

اختيار هذه العنوان له عدة ملابسات، أولها أن الناشر هو الذي اختاره وأنا أضفت إليه عنوان فرعيا "رحلة فلسطيني من مخيم اللاجئين إلى الصفحة الأولى".

العنوان هو وفاء للصديق العزيز الراحل محمود درويش حيث كانت بيننا صداقة حميمة جدا خاصة عندما كان يقيم في باريس. كانت بيننا مكالمة يومية كل يوم في الساعة 12 بتوقيت لندن. كنا نتحدث طيلة ساعة كاملة في شؤون الثقافة، السياسة ونتبادل بعض الدعابات ونمارس بعض النميمة حتى... كنت أزوره باستمرار في باريس على الأقل مرة في الشهر كان يمتد بنا السهر والحديث والذكريات. أردت أن أكرم هذا الصديق من خلال أن يحمل عنوان سيرتي الذاتية مقطعا من قصيدة شعرية له.

أيضا أردت أن أقول إنها ليست سيرة تقليدية ليست شعارات وليست مديحا وليست بطولات إنها مجموعة من عدة أشياء، فيها الأدب، السياسة، التحليل، التجربة الشخصية هذه ملابسات اختيار العنوان وأعتقد أننا وفقنا في ذلك.


إلى أي حد يمكن القول إنك قلت كل ما يدور في خلدك وما تريد أن تقوله فعلا عن ما عشته من تجارب حياتية وسياسية وإعلامية مؤثرة. بعبارة أخرى أليس هناك مسكوت عنه في هذه المذكرات أو أشياء أوردتها بين السطور؟

طبعا هناك الكثير من المسكوت عنه في هذه المذكرات. لو قلت كل شيء لطلقتني زوجتي وهي سيدة فاضلة لا أريد أن أخسرها. تعرضت لرقابة شديدة جدا من قبل زوجتي وابني وبنتي. كانوا يقرؤون الكتاب فصلا بعد فصل ويعترضون على بعض الأشياء.

وكما تعرف نحن لسنا مثل الغربيين، هناك قيود على كاتب السيرة الذاتية بحيث لا يستطيع أن يبوح بكل شيء. حتى هذه اللحظة أذكر أني في بعض الفصول عندما تحدثت عن لندن وتجربة لندن ذكرت سيدة اسمهما ستيفاني كانت محاسبة في جريدة "القدس العربي".

هذه المحاسبة أعجبت بأصابع يدي، طبعا هي أعجبت بي واتخذت الأصابع مدخلا وذكرت تلك الواقعة في الكتاب. حتى هذه اللحظة لا تزال زوجتي تسألني كيف هذه ستيفاني؟ كيف شكلها؟ هل هي جميلة؟ وأنا أقول لها إنها ليست جملية... وتسألني عن عينيها وأقول لها إنني لم أرهما لأنها كانت تضع نظارات سميكة جدا.

المجتمع الشرقي لا يقبل منك أن تقول كل شيء وهناك من يترصدون لعبد الباري عطوان على وجه التحديد شيئا يقولونه بشأنه. فأنا أعترف بأنني لم أقل كل شيء في هذا الكتاب، ربما في مرحلة لاحقة سأبوح أكثر وسأكشف أسرارا أكثر.


ماذا عن طقوس كتابة هذا المذكرات؟ في أي الأجواء والظروف وجدت الوقت والاستعداد النفسي والوجودي لمواجهة الصفحة البيضاء أو الشاشة الفارغة للبوح بما عشته من تجارب؟

أعترف بأنني تورطت في هذا الكتاب لأن الكتاب الأول "التاريخ السري للقاعدة" لقي نجاحا كبيرا جدا، ترجم إلى عشرين لغة وطبع ست مرات والطبعة السابعة في طريقها إلى الصدور في لندن ونشر في جميع أنحاء العالم وحتى هذه اللحظة هناك طلبات لترجمته إلى لغات أخرى.

"
ما لا يعرفه الناس أنني كنت رياضيا أثناء دراستي في الجامعة وكدت أن ألعب لفريق الزمالك المصري الذي كان من أكبر الأندية في ذلك الحين

"
أحد الناشرين طمع في أن يستغل هذا النجاح من خلال كتاب جديد والقصة بدأت بدعابة. ما لا يعرفه الناس أنني كنت رياضيا أثناء دراستي في الجامعة وكدت أن ألعب لفريق الزمالك المصري الذي كان من أكبر الأندية في ذلك الحين.

تدربت مع فريق الاحتياط وكانت لدي فرصة لأن أكون على الأقل ضمن الفريق الأول، لكنني اخترت الصحافة ولم أندم على ذلك. في تلك الفترة لم يكن الدوري المصري احترافيا وكان اللاعبون هواة يتقاضون مبالغ زهيدة جدا. الحمد لله الرياضة لم تغرني ماديا ولا من حيث الشهرة.

أذكر أن الناشر سمع بهذا الكلام فتصور أن تكون المذكرات بعنوان "بيكام عربي" (an arab Beckam) ويكون ذلك مستوحى من فيلم صدر في بريطانيا بعنوان “Really Bend It Like Beckham" وحظي بإقبال كبير. لكني عندما قلت للناشر إنني لم أكن مثل بيكام أي لم أكن مهاجما أو لاعب وسط بل كنت حارس مرمى، تغيرت الفكرة ومع ذلك أصر على أن أكتب هذه المذكرات.

ظروف كتابة المذكرات كانت مرهقة لأني كنت أستيقظ يوميا عند الساعة الخامسة صباحا قبل أن يتوجه الأبناء إلى المدارس وقبل أن تصحو أمهم لتنق علي. كنت أبقى أكتب وأسجل إلى غاية الساعة الثامنة وأحيانا إلى الساعة التاسعة على فترات متقطعة لأنني كنت أسافر أحيانا.

تواصل ذلك على مدى عامين إلى أن صدر الكتاب. كانت العملية مرهقة جدا خاصة أنني شخص فوضوي وغير منظم. هناك أناس يكتبون مذكراتهم استنادا إلى معلومات وتواريخ موثقة، أنا لا أحتفظ إطلاقا بمقابلاتي التلفزيونية ولا بمقالاتي أو بمذكرات فكانت عملية استرجاع الذكريات شاقة جدا.


إلى حد يمكن أن نقول إن هذه المذكرات تمثل بشكل من الأشكال عملا ثأريا لتلك الملكة الأدبية التي لاحت برأسها في بداية المشوار قبل أن يلتهمها العمل الصحفي؟

أعترف بأن عندي حبا كبيرا للأدب وبدأت حياتي بكتابة القصة القصيرة وكتبت أكثر من 18 قصة بعضها نشر في مجلات محترمة مثل مجلة "العربي" في فترة تألقها، وبعضها نشر في ملاحق أدبية عربية مثل ملحق جريدة "المدينة" السعودية وكانت من أهم الملاحق الأدبية في المملكة وكان يشرف عليها الكاتب السوداني سباعي عثمان الذي أعتبره روائيا رائعا.

لكن للأسف، العقلية العربية لا تقبل محللا سياسيا وأديبا في نفس الوقت لأن الأدب يعني المبالغة والخيال بينما السياسة تعني أن تكون في عين الحدث وعندك مصداقية وتعتمد على المعلومة والتحليل. فمنذ البداية قمعت الجانب الأدبي في داخل شخصيتي.

هذا العمل يمكن أن يكون محاولة لرد الاعتبار لعبد الباري عطوان الأديب المقموع لأنه عند قراءة الكتاب تجد أنه أدبي الطابع أكثر منه صحفي الطابع، تجد التاريخ مرويا بطريقة أدبية. بعض فصول السيرة مروية بطريقة أدبية فوجئ كثيرون من الذين قرؤوا الكتاب خاصة في الغرب بأنه فيه دعابة ومواقف طريفة تضحك القارئ وفيه مواقف تبكيه.

فهذا تصوير أدبي وليس تصويرا سياسيا فعندما يضحك القارئ أو يبكي هذا معناه أنك تخاطبه بطريقة أدبية وليس بطريقة سياسية جافة تعتمد الحقائق والأرقام والتواريخ.

ربما يكون عقلي الباطن قرر أن يعود إلى الأدب في شكل سيرة ذاتية. بعض من قرؤوا هذه المذكرات حبذوا لو أنني صغت الكتاب في شكل رواية. ربما سأفعل ذلك لاحقا.


لماذا اخترت كتابة مذكراتك باللغة الإنجليزية رغم أنها مهداة إلى أطفال المخيمات؟

الكتاب ليس شعارات وليس تكرارا لما كتب عن القضية الفلسطينية. أكثر شيء أثر في هو أنه عندما قرأ الناشر الفصل الأول عن المخيم وظروف نشأتي هناك قال: أنا قرأت أكثر من 100 كتاب عن القضية الفلسطينية ولم أتأثر بكتاب على غرار ما حصل مع هذا الكتاب، فأصر على أن أوسع هذا الفصل وأجعله هو مادة الكتاب.

أنا اخترت كتابة مذكراتي باللغة الإنجليزية لأن هناك أجيالا من العرب والمسلمين عاشوا في أوروبا والولايات المتحدة لا يعرفون الكثير عن العالم العربي، عن فلسطين، ليبيا، مصر، المخيم، المقاومة. فهم يشاهدون آخر فصل من التاريخ مثل مجزرة قطاع غزة ولا يعرفون جذور المشكلة .

قررت أن أكتب هذه المذكرات بالإنجليزية حتى أخاطب أولا هؤلاء العرب والمسلمين الذي يعيشون في المهاجر وخاصة في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا. أحببت أيضا أن أكتبها للأوروبيين المتعاطفين معنا، هؤلاء الذين سافروا إلى الشرق الأوسط وعاشوا في تلك المنطقة أقدم لهم خلاصة هذه التجربة.

عندما أهديت هذا الكتاب إلى أبناء المخيمات أردت أن أقول لهم: لا تيأسوا، أنا واحد منكم من قاع المجتمع من أم وأب أميين ومع ذلك ها أنا عملتها، وصلت إلى القمة في مهنتي، ها أنا أجلس مع رؤساء وزراء أوروبيين مع رؤساء أوروبيين، مع أميركيين، مع صحفيين، مع صناع رأي. لا تيأسوا، فبالعمل الصلب والدؤوب والشجاع نستطيع أن نصل.

هذا الكتاب سيترجم إلى اللغة العربية. لن أترجمه أنا رغم أني أتمنى أن يكون لدي الوقت للقيام بذلك بأسلوب أدبي. الشيء الثاني هو أنه منذ أن صدر الكتاب بدأت أدون بعض الملاحظات، وبعض الذكريات لتكون مادة لفصلين جديدين من النسخة العربية عن أمور لم أتطرق لها في مسيرتي السياسية والصحفية.

النسخة العربية ستكون مختلفة لأن الكتاب سيكون موجها للقارئ العربي وليس للقارئ الأجنبي الذي لا يحب التفاصيل الكثيرة. لكن القارئ العربي تهمه بعض التفاصيل عن المملكة العربية السعودية التي عشت فيها فترة من الزمن، عن المضايقات التي تعرضت لها بسبب المقابلات مع الشيخ أسامة بن لادن، ذكريات جميلة في المغرب العربي أريد أن أدونها. فالكتاب في نسخته العربية سيكون مختلفا وممتعا حيث ستضاف إليه فصول جديدة.


هناك وجوه فلسطينية بارزة كتبت مذكراته بينها إدوارد سعيد في كتابه "خارج المكان" وشفيق الحوت. أين تضع عملك بين مذكرات الشخصيات الفلسطينية التي كتبت مذكراتها لحد الآن؟

كل مذكرات تختلف عن الأخرى وتجاربنا تختلف. على سبيل المثال فإدوارد سعيد رحمه الله كان من خلفية بورجوازية، عاش في كنف أسرة غنية، كتب مذكراته وكانت أكثر تركيزا على الحياة في الغرب مع بعض الإشارات إلى فلسطين.

"
ظروف كتابة المذكرات كانت مرهقة لأني كنت أستيقظ يوميا عند الساعة الخامسة صباحا قبل أن يتوجه الأبناء إلى المدارس وقبل أن تصحو أمهم لتنق علي. كنت أبقى أكتب وأسجل إلى غاية الساعة الثامنة وأحيانا إلى الساعة التاسعة على فترات متقطعة لأنني كنت أسافر أحيانا

"
شفيق الحوت كتب عن تجربته السياسية مع منظمة التحرير الفلسطينية وتجربته مع ياسر عرفات، مذكراته كانت سياسية بحتة. أنا حاولت أن أكون مختلفا وأن أقدم تجربة إنسانية. فلا أحد من الذين ذكرت اشتغل في مصنع تعليب طماطم أو سائقا لسيارة قمامة. طبعا ربما لو تعرضوا لنفس الظروف لحدث ذلك.

من جهة أخرى فسعيد والحوت قادمان من مجتمع مدني. سعيد تعلم في مدرسة فيكتوريا التي درس فيها الملوك في مصر. شفيق الحوت من الطبقة الوسطى وخرج إلى لبنان وكان منذ اليوم الأول منخرطا في العمل السياسي وكان كبيرا في السن وفي المقام عندما انسحب.

أنا أردت أن أقدم تجربة إنسان من قاع المجتمع عاش الفقر والجوع والحرمان بكل المعاني ورسمت ذلك بطريقة محببة وليس بطريقة انتقامية. فالوالدان كان أميين. تخيل أننا كنا عشرة إخوة سبع أولاد وثلاث بنات والوالد توفي وعمره 43 عاما وكان مريضا فتخيل حجم المعاناة التي عشناها.

تحدثت مثلا عن كيف كنا نذهب إلى البحر عراة إلى حدود سن الخامسة عشرة لأنه لم تكن لدينا ملابس سباحة وكيف أن معظم الصيادين كانت أيديهم مقطعة لأنهم كان يستخدمون الديناميت في الصيد فينفجر فيهم أحيانا، ففيهم من فقد رجله.

أنا أردت أن أقدم هذه التجربة الإنسانية بفخر. أنا أفتخر بهذه التجربة: الآخرون كانت تجاربهم مختلفة أنا لا أخجل من الحديث عن فقري وجوعي وحرماني.


هل هناك خلفية سياسية في إصدار هذه المذكرات؟ هل هناك رسالة سياسية إلى جهات معنية؟

الرسالة السياسية هي تقديم صورة عن المعاناة وأن أقول للأجيال الحالية إنكم في نعمة مقارنة مع والدينا ومع طفولتنا. الآن على الأقل الناس تجد ما تأكل وبيتا تسكن فيه. نحن كنا 15 شخصا في خيمة واحدة بدون مياه جارية وبدون كهرباء.

هذه هي الرسالة ومضمونها يجب أن نتحمل المعاناة والضنك لأننا أصحاب قضية. لكن حقيقة حرصت ألا يكون أسلوبي خطابيا في هذا الكتاب، لم تكن هناك شعارات باستثناء إشارات قليلة إلى الواقع السياسي المرير.

طبعا هناك بعض الأسرار السياسية التي كشفت في هذه الكتاب مثلا كيف أن ياسر عرفات ذهب إلى طاولة مفاوضات أوسلو من أجل أن يقلبها، أن يستغلها. كشفت كيف أن ياسر عرفات بلغني أنه في النهاية ذاهب إلى فلسطين من أجل أن يبدأ النضال من الداخل لأن النضال من الخارج أصبح مستحيلا وقال لي إنك سترى الإسرائيليين يهربون من فلسطين مثل ما تهرب الفئران من السفينة الغارقة، ستراها في عمرك وأنا لن أراها وأنت ستراها لأنك أصغر مني.

تحدثت عن جوانب من شخصية ياسر عرفات لا يعرفها إلا من عاشوا معه.

تحدثت عن قصتي مع صدام حسين. كل الناس يعتقدون أني كنت مع صدام على التلفون ليل نهار، في حين أني لم أقابله طيلة حياتي ولم أتصل عليه ولم يتصل علي. دعاني أكثر من مرة ولم أذهب. تحدثت عن لقائي مع أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة.

كما تحدثت عن الإعلام الغربي وزيفه وكذبه وكيف أن هناك big brother (أخ أكبر) هو الذي يوجه هذا الإعلام، والقائمون عليه يستخدموننا أحيانا من أجل مصلحة ما عندما نستضاف محللين أو معلقين حيث يكون هناك هدف من إظهارنا يخدم مصالحهم وليس مصالحنا، لكننا نتنازل من أجل أن نكسب ليس بالضرورة مائة بالمائة لو كسبنا 50% في ذلك الإعلام المسيطر عليه فالأمر يمثل إنجازا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة