"تقديس" السيسي.. وجه آخر لأزمة مصر   
الأربعاء 23/3/1436 هـ - الموافق 14/1/2015 م (آخر تحديث) الساعة 10:42 (مكة المكرمة)، 7:42 (غرينتش)

يوسف حسني-القاهرة

لم يكتف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالدعوة للقيام بـ"ثورة دينية" على نصوص إسلامية، بل أعقبها بتسجيل سابقة تاريخية لم يقدم عليها أحد ممن سبقه في المنصب بحضوره قداس عيد الميلاد في مقرّ الكاتدرائية المرقسية بالعباسية.

ودفعت تلك الزيارة التاريخية رئيس المجلس الأكليريكي للكنيسة الأرثوذكسية الأنبا بولا إلى القول "رأينا المسيح عند مجيء السيسي للكنيسة"، معتبرا أن "ثورة الثلاثين من يونيو عمل إلهي".

وعلى الخط نفسه تبعه كاهن كنيسة الأزبكية الكبرى بالكنيسة الأرثوذكسية الأنبا مكاري يونان بقوله "السيسي مرسل من السماء، ومذكور في الإنجيل".

ولم يكن غريبا بعد ذلك أن يحذو أحد مقدمي البرامج في فضائية مصرية ليرد المجاملة مشبها البابا تواضروس بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

جمال أسعد طالب بعدم خلط السياسي بالديني (الجزيرة نت)

الديني والسياسي
وأثار هذا المستوى من التشبيهات حفيظة كثيرين في مصر، بينهم قساوسة ومسيحيون.

المفكر القبطي جمال أسعد قال للجزيرة نت "تصريحات الكنسية لا يمكن قراءتها بعيدا عن زيارة السيسي للكاتدرائية، والتي لم تكن للكنيسة أو رجالها، وإنما كانت رسالة للداخل والخارج بأن مصر بها مواطنة حقيقية، وردا على الفتاوى المتشددة، التي تحرم معايدة المسيحيين".

ويرى أسعد أن تصريحات القساوسة "جاءت على نحو خاطئ، ووصلت للمزايدة فأثارت حفيظة المتشددين من الجانبين".

ونبّه إلى "خلط الدعوي بالسياسي، فالأنبا بولا يمارس السياسة على مدار الساعة، بخلاف ما يدعيه رأس الكنيسة".

وخلص إلى القول "ما دامت مصر دولة مدنية، فعلى الكنيسة ألا تستدعي الديني في السياسي، على النحو الذي سبق أن رفضناه من معتصمي رابعة العدوية، إذ لا يعقل أن نقول اليوم ما أخذناه عليهم بالأمس".

وطالب أسقف طنطا القس فيلوباتير جميل في تدوينة على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك رئيسَ المجمع الأكليريكي بالاعتذار عن تشبيهه السيسي بالمسيح.

وقال "نيافة الأنبا بولا الذي قال أيام حكم الإخوان إن الرئيس محمد مرسي رئيس لكل المصريين، وإنه يرتب لاستقبال يليق به في الأمم المتحدة، الآن يخرج علينا بهذا "الـ..."، ممكن نيافتك تراجع ما قلته وتقوله لنا؟"

أما أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية الدكتور وصفي عاشور، فاعتبر تصريحات الكنيسة "نتيجة طبيعية لزيارة السيسي للكاتدرائية، بعد هجومه على الإسلام بأيام، واتهامه المسلمين بالإرهاب".

ويرى عاشور أن هذا "التباين في المعاملة جزء من حرب الهوية التي بدأها الغرب، عقب وصول الإسلاميين للسلطة، خوفا على نفوذه ومصالحه بالمنطقة.

ويرى عاشور أن "هذه الحرب لن تقضي على التيارات الإسلامية، ولن تجنح بمصر نحو المسيحية أو العلمانية، لأن غالبية المصريين ينحازون للمشروع الإسلامي، غير أن هذا الخطاب يعني استمرار الفوضى الفكرية والثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية ما دامت مصر تحت وطأة الانقلاب".

عصام تليمة: "ممارسات السيسي ومؤيديه مجرد تسديد فواتير سياسية لشركاء الانقلاب، وليست محاولات تغيير للهوية، فالسيسي يتكلم وعينه على الغرب الذي دعم وصوله للحكم بالدبابة، بينما تقدس الكنيسة الرجل الذي ترى أنه سيحقق أحلامها المؤجلة

شركاء الانقلاب
وعن التشبيهات الصادرة عن الكنيسة أو صاحب البرنامج الإعلامي، قال الباحث الإسلامي عصام تليمة "هذه التشبيهات تؤكد أن مصر تعيش حالة مسخ للدين".

مضيفا أن دعوة تجديد الخطاب الديني "نادى بها علماء كبار طيلة سنوات، لكن التجديد يكون من أهله وفي محله، وليس من راقصة أو فنانة أو كاتبة، كما يريد السيسي".

واعتبر تليمة ممارسات السيسي ومؤيديه "مجرد تسديد فواتير سياسية لشركاء الانقلاب، وليست محاولات تغيير للهوية، فالسيسي يتكلم وعينه على الغرب الذي دعم وصوله للحكم بالدبابة، بينما تقدس الكنيسة الرجل الذي ترى أنه سيحقق أحلامها المؤجلة، وهو خطاب يعكس غباء الطرفين، لأن الغالبية المسلمة عندما لا تستطيع نيل نصف ما تناله الأقلية من حقوق واحترام، ستلجأ غالبا للعنف".

على الجهة الأخرى، اعتبر عضو تنسيقية الثلاثين من يونيو محمد فاضل أنه "لا يجب تحميل تصريحات الجانبين أكثر مما تحتمل، لأنها مجرد مجاملات، وإن حملت عبارات غير مقبولة".

وذهب للقول إن تجديد الخطاب الديني "ليس وظيفة السيسي، وإنما وظيفة الأزهر الذي يمثل الإسلام المعتدل، لكن بعض الباحثين عن الشهرة يدّعون تكليف الرئيس لهم بهذه المهمة على غير الواقع، وبشكل يمثل خطرا على المجتمع". 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة