رحل الجابري مخلفا تراثا لا يزول   
الثلاثاء 20/5/1431 هـ - الموافق 4/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 10:51 (مكة المكرمة)، 7:51 (غرينتش)
 الجابري أسس لقراءة متطورة للتراث العربي

 
الجزيرة نت- الرباط
 
غيّب الموت المفكر المغربي محمد عابد الجابري طاويا بذلك صفحة مهمة من دفتر الفلسفة والفكر العربي المعاصر، ومخلفا وراءه أسرة وأصدقاء وزملاء يشعرون بحجم الخسارة الكبيرة التي مني بها المشهد الفكري قاطبة.
 

"الجابري لم يمت، لأن فكره سيبقى حاضرا بيننا إلى الأبد"، بهذه الجملة عبر عصام ابن المفكر الراحل عن مشاعره حيال فقدان والده، مضيفا أن حكاية الموت المفاجئ الذي أخذ الجابري بدأت في الساعة التاسعة ليلا من مساء أمس الأول وهو جالس مع أبنائه في جلسة عائلية هادئة، قبل أن يذهب الجميع إلى النوم ويذهب الجابري ليجلس أمام حاسوبه ليكتب جريا على عادته، وفي صبيحة أمس الاثنين استيقظ الجميع باستثناء الجابري.

ويتابع الابن الطبيب للجزيرة نت أن والده رحل دون أحلام كبيرة، وبقلق فلسفي عظيم، وبرغبة ملحة في إتمام مشروعين شغلا باله، وهما عبارة عن كتابين يحاول في الأول أن "يعيد قراءة الأحاديث النبوية من جديد"، و"ينتقد العقل الأوروبي" في الثاني.

الباحث المفكر
وبحزن لا يقاس بأي تعبير يقول عزيز الحدادي -أستاذ الفلسفة في جامعة محمد الخامس ورئيس جمعية أصدقاء الفلسفة وأحد من تتلمذوا على يد الجابري- إن "الباحث الذي لا يضع يده على التراث لا قيمة له"، ولهذا السبب "كان الجابري فجرا لبداية عهد البحث في التراث العربي الإسلامي، وخصوصا التراث التنويري".

أغلان: الجابري علَم الناس كيفية التعامل مع النص الفلسفي والتراث
ويضيف الحدادي للجزيرة نت أن موت الجابري هو "موت لقارة في التراث العربي الإسلامي"، لعلم فكري استطاع بعمق فلسفي كبير أن "ينتقد" العقل العربي و"يعيده للطريق الصحيح"، مشيرا إلى أن الفلسفة كانت تحتاج لبقاء الجابري لوقت أطول "كي يعيد الأمل للفلسفة في العالم العربي".

بيد أن المفكر الراحل وبالقدر الذي استطاع أن يؤسس لمدرسته الخاصة في الفلسفة العربية وأن يجمع حوله الكثير من التلاميذ من المشرق والمغرب، لم يسلم من الانتقادات.

سجال مستمر
فقد كان فكره مجالا لسجال كبير امتدت شظاياه إلى المشرق بإصدار جورج طرابيشي سلسلة بعنوان "نقد نقدِ العقل العربي" وينتقد فيها المشروع الفكري للجابري، دون أن ننسى الجدل الكبير الذي رافق إصدار كتابه "مدخل إلى القرآن الكريم".

وفي هذا السياق يرى الباحث والأستاذ الجامعي مصطفى المرابط أن "التجزيء" في النظر إلى التراث من أهم المؤاخذات التي تؤخذ على الجابري، يضاف إليها –حسب رأيه- عدم شمولية اطلاعه على الفكر الغربي والمناهج الأبستمولوجية (المعرفية) التي كان يبشر بها، واكتفاؤه بمناهج الفكر الفرنسي رغم أن العالم الأنغلوسكسوني عرف تطورا كبيرا على هذا الصعيد.

المرابط: التجزيء في النظر إلى التراث من أهم المؤاخذات على الجابري
وانتقد المرابط عدم إفصاح الجابري عن مصادره ومراجعه، وهو ما دفع بالبعض إلى اتهامه "بانتحال" أفكار الآخرين دون الإشارة إليها، لكن المرابط أضاف مستدركا أن هذه المؤاخذات لا تظهر إذا ما قورنت مع المساهمات الكبيرة التي قدمها الجابري للفكر العربي.

قراءة التراث
من جانبه يقول إبراهيم أغلان -مسؤول الأنشطة الثقافية بالمكتبة الوطنية بالرباط- إن الجابري "علَم الناس كيفية التعامل مع النص الفلسفي والتراث"، وإن كتبه "مطلوبة جدا لدى زوار المكتبة"، لأنها تعد مراجع مهمة للباحثين في الفلسفة والدراسات الإسلامية، وخص بالذكر كتابه "قراءة في التراث" و"مدخل إلى القرآن الكريم".

وكشف أغلان أن المكتبة الوطنية بالرباط كانت تفكر بتكريم المفكر محمد عابد الجابري هذه السنة، لكن "كان للموت رأي آخر على ما يبدو" كما يقول.

يُذكر أن الجابري لم يكتف بالبحث العلمي فقط، بل كان فاعلا سياسيا بشكل مباشر أحيانا وغير مباشر أحيانا أخرى، فقد كان قياديا بارزا وعضوا في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، وينظر إليه على أنه أحد منظري الحزب على المستوى الأيديولوجي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة