المؤامرة الإيرانية بين الشك واليقين   
الجمعة 1432/11/18 هـ - الموافق 14/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:22 (مكة المكرمة)، 14:22 (غرينتش)

السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير هل كانت محاولة اغتياله حقيقية؟

هل كان رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الأميرال مايكل مولن يقرأ الطالع عندما أبدى خشيته من أن تعجز بلاده عن فهم ما قد يحدث من تطور مفاجئ في علاقاتها مع إيران على الوجه الصحيح؟

فقد اعترف الأميرال في محاضرة بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الشهر المنصرم أن واشنطن "لا تتحدث إلى إيران، ومن ثم فنحن لا نفهم بعضنا البعض".

وأضاف "إذا حدث شيء ما، فمن المؤكد أننا سوف لن نستوعبه على الوجه الصحيح، وسيكون هناك خطأ في التقدير قد ينطوي على خطر داهم في ذلك الجزء من العالم" في إشارة إلى منطقة الشرق الأوسط.

فهل كان مولن على دراية بالمخطط الإيراني المفترض الذي كشفت عنه حكومته مؤخرا لاغتيال السفير السعودي لدى واشنطن عادل الجبير، أم إنه ضرب من التكهن قائم على معطيات على الأرض؟

وتقول الرواية الأميركية إن إيران استعانت بأميركي من أصل إيراني يعمل في بيع السيارات المستعملة كوسيط لتجنيد عصابة مخدرات مكسيكية لاغتيال الجبير مقابل مائة ألف دولار أميركي.

غير أن تلك الرواية أثارت قدرا كبيرا من الشك والحيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها أكثر مما أجابت عن أسئلة. ومع أن المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة أكدتا معا أنهما تملكان أدلة دامغة على ضلوع إيران في المؤامرة وأيدهما في ذلك حلفاؤهما الغربيون، فإن كثيرين من الساسة والخبراء والمحللين أثاروا شكوكا إزاء صحة تلك الاتهامات.

فقد توعد الرئيس الأميركي باراك أوباما إيران بالسعي لتطبيق ما وصفها بأشد العقوبات عليها، واصفا تورط طهران في المؤامرة بأنه "نمط من السلوك الخطير والمتهور".

وحمّلت السعودية على لسان وزير خارجيتها سعود الفيصل طهران مسؤولية أي اعتداء يستهدفها، وأنها ستتخذ ما يلزم من إجراءات مناسبة في هذا الشأن.

ويرى محللون أن منطقة الشرق الأوسط تتجه نحو مزيد من التوتر واحتدام الصراعات بالوكالة بعد هذا التطور في الأحداث.

صحيح أن العلاقات الإيرانية السعودية كانت في أدنى مستوى لها حتى قبل الإعلان الأميركي بسبب الأحداث في البحرين والمواجهات الخطيرة بين الشرطة السعودية وعناصر من الطائفة الشيعية في شرقي السعودية والتي اتهمت فيها الرياض النظام في طهران بالوقوف وراءها.

الإيرانيون لا يثقون في تنفيذ مؤامراتهم الحساسة إلا على عملائهم الوطنيين أو وكلائهم في المنطقة مثل حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية ومليشيات مقتدى الصدر في العراق

حرب بالوكالة
وكما يرى مصطفى العاني -المحلل بمركز الخليج للدراسات- فإن تلك العلاقات ستمر بمرحلة صعبة للغاية بعد المخطط الإيراني المفترض.

ويقول العاني إن طهران في "حالة من الهلع" لا سيما أنها تشعر الآن أنها "على وشك أن تخسر حليفتها سوريا" وينهار بعدها مثلث حزب الله وإيران وسوريا.

وبحسب العاني فإن إيران تسعى لفتح جبهات جديدة في الخليج لتخفيف الضغط عن سوريا.

واستبعد الخبير في شؤون الأمن والإرهاب اندلاع مواجهة مباشرة بين السعودية وإيران، لكنه رجح أن تشهد المواجهات بالوكالة بينهما تصعيدا.

ويتفق مع هذا الرأي عدد من المحللين الغربيين. فقد كتب المعلق روبرت ماكي بصحيفة نيويورك تايمز يقول إن الإيرانيين لا يثقون في تنفيذ "مؤامراتهم الحساسة" إلا على عملائهم الوطنيين أو وكلائهم في المنطقة مثل حزب الله اللبناني وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الفلسطينية ومليشيات مقتدى الصدر في العراق.

ووصف الصحفي البريطاني المعروف باتريك كوكبيرن مؤامرة الاغتيال بأنها "محاولة غريبة" وتماثل في خطورتها ادعاء وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول أمام الأمم المتحدة في 2003 أن الولايات المتحدة تملك أدلة "دامغة" بأن صدام حسين يقوم بتطوير أسلحة دمار شامل.

وتكمن خطورة الاتهام الأميركي لإيران في ما قد يترتب عليه من تداعيات يخشى العقلاء من أن تتفاقم مثل كرة ثلج متدحرجة لتتطور إلى مواجهة عسكرية لا يُحمد عقباها.

ولعل هذا ما حدا بمجلة "تايم" الأميركية الرصينة لنشر مقال آثرت أن يتصدره عنوان يتساءل فيه الكاتب عن ما إن كانت تلك المؤامرة ستدفع أوباما نحو الحرب مع إيران؟

وأبدت المجلة ارتيابها في الحادث برمته. وقالت إن الإدارة الأميركية استغلت الادعاء بأن هناك مسؤولين في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني هم من بادروا بهذا "المخطط الغريب" في الضغط من أجل فرض عقوبات أشد صرامة على طهران.

وذكرت تايم في تقريرها أن تفاصيل المخطط تثير مزيدا من الشكوك بشأن الرواية الأميركية، منها أنها تحكي عن أن عناصر فيلق القدس "المحترفين" تخلوا عن تقليد دأبوا عليه يقوم على الاستعانة بزملائهم "المنضبطين" أو بوكلاء محل ثقة من شاكلة حزب الله.

وذهب بعض الخبراء الأميركيين البارزين المختصين بالشأن الإيراني إلى الإيحاء بأن الحكومة الإيرانية ربما لم تكن تقف وراء تلك المؤامرة البتة.

فقد كتب غاري سيك -الباحث بمعهد الشرق الأوسط التابع لجامعة كولمبيا الأميركية- في مدونته الإلكترونية يقول إنه وجد من العسير عليه تصديق الرواية الأميركية، مشيرا إلى أن إيران لها من الأسباب ما يجعلها تستشيط غضبا من الولايات المتحدة والسعودية على السواء.

فهي تنسب موجة الاغتيالات الأخيرة التي شملت أساتذة وطلاب الفيزياء وإصابة أنظمة الحاسوب لديها بفيروس "ستكسنت" إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، وتأخذ على الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز سعيه لإقناع واشنطن بضرب إيران.

وقال كينيث كاتزمان -وهو محلل في شؤون الشرق الأوسط بقسم خدمات البحوث بالكونغرس الأميركي- إن من الصعب قبول فكرة استعانة الحرس الثوري الإيراني بعصابة مخدرات مكسيكية.

ويبقى السؤال: إذا لم يكن فيلق القدس هو من دبَّر المؤامرة بحسب رواية الحكومة الأميركية، فمن يا تُرى قام بذلك؟

ثمة من يرى أن عناصر داخل الحكومة الإيرانية هي من دبَّرت المؤامرة دون موافقة المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، الأمر الذي يعكس صراعا على السلطة هناك، طبقا لمير جاويدانار المحلل الإسرائيلي من أصول إيرانية.

وبين تأكيدات الإدارة الأميركية والحكومة السعودية وشكوك بعض المحللين والساسة والخبراء يظل السؤال قائما: هل تورطت إيران بالفعل في مؤامرة اغتيال الجبير، أم إنها من نسج الخيال لتحقيق شيء في نفس يعقوب؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة