الثورة تعيد للأزهر دوره القيادي   
السبت 1433/2/26 هـ - الموافق 21/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:52 (مكة المكرمة)، 16:52 (غرينتش)

شيخ الأزهر في اجتماع ضم الجنزوري والبابا شنودة ومرشد الإخوان (الجزيرة نت)

أنس زكي-القاهرة

بعد سنوات طويلة من التراجع، عاد الأزهر ليزاحم على مكان قيادي في المشهد المصري بما يشير إلى أن هذه المؤسسة العريقة بصدد استعادة دورها مستفيدة من الثورات العربية خاصة من ثورة 25 يناير بمصر.

وفي مجتمع ينزع بطبعه للتدين، وينشد حكم الدين في سائر القضايا، طالما سعى حكام مصر إلى "تدجين" مؤسسة الأزهر، ووضع حدود لدورها في المجتمع, فضلا عن استخدامها غطاء شرعيا لتصرفات النظام.

وبلغ الأمر ذروته بالسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق حسني مبارك، فبات الأزهر إما غائبا عن المشهد، أو حاضرا في ظل السلطة، حتى جاءت الثورة الشعبية فنال الأزهر منها نصيبه, وبدا متلهفا لاستعادة موقعه، وتعاقبت مبادرات ونشاطات وتصريحات تصب كلها في هذا الاتجاه.

وكانت البداية الفعلية منتصف يونيو/ حزيران الماضي فى ذروة جدل حول ما عرف بالمواد الحاكمة للدستور حيث أصدر الأزهر وثيقة حول مستقبل مصر نالت إجماعا لما تضمنته من حرص على تدعيم هوية مصر العربية والإسلامية مع الالتزام بمبادئ الحرية والديمقراطية.


الطيب مع عدد من شباب الثورة (الجزيرة نت)
وسطية الأزهر

ومع انطلاق الانتخابات البرلمانية وظهور أولى نتائجها التي تشير إلى تقدم كاسح للتيار الإسلامي بشقيه (الإخوان المسلمون والسلفيون), عول المتخوفون من ذلك على الأزهر، وتوالت التصريحات لتؤكد أن وسطية الأزهر ستكون لها الكلمة العليا ما ساعد كثيرا في تهدئة مخاوف البعض من الصعود المفاجئ للسلفيين خاصة.

ثم اكتملت الانتخابات وتأكد فوز الإسلاميين، لكن مصر شهدت جدلا آخر في ظل تصاعد العداء بين المجلس العسكري الحاكم وبعض القوى التي ترى أن كثيرا من تصرفاته لم تنسجم مع روح الثورة، فتصاعد التوتر مع اقتراب الذكرى الأولى لاندلاع الثورة، وهنا ظهر الأزهر مجددا ببيان لافت شدد على دعمه لاستكمال أهداف الثورة واستعادة روحها.

وتضمن البيان 12 بندا أهمها المطالبة بمنع المحاكمات العسكرية للمدنيين, والإفراج عن المعتقلين السياسيين, وسرعة محاكمة رموز النظام السابق "بما لا يخل بحرمة الحق ومقتضى العدل وواجب النزاهة"، وكذلك المطالبة بالوفاء بحقوق أسر الشهداء والمصابين، مع المضي قدما في البناء الديمقراطي للدولة, وتسليم السلطة للمدنيين في الموعد المحدد بحيث يعود الجيش إلى دوره الأساسي وهو حماية الأمن القومي والحدود.

كما أصدر الأزهر بيانا أكد فيه احترام الحريات الأساسية وفي مقدمتها حرية العقيدة وحرية الرأي, وعلى حقوق المواطنة والإعلاء من شأن العقل، وشدد على تشجيع الإبداع الأدبي والفني بما لا يمس بالعقائد.


في الداخل والخارج
وفي الأسابيع الماضية, كان الأزهر قبلة شخصيات وقوى سياسية، فاستضاف لقاء مهما شارك فيه رئيس الحكومة د. كمال الجنزوري, وبابا الأقباط شنودة الثالث, ومرشد الإخوان المسلمين د. محمد بديع, إضافة إلى مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية, وبعض رؤساء الأحزاب, ودعاة وشخصيات العامة.

شيخ الأزهر أثناء استقباله هنية (الجزيرة نت)
وكان لافتا حرص الأزهر وشيخه د. أحمد الطيب على استضافة وفود من شباب الثورة حيث طالبهم بالتوحد, وأشاد بدورهم في الثورة كما عرض نقل مطالبهم ورؤاهم إلى المجلس العسكري.

ولم يقتصر نشاط الأزهر وشيخه على الداخل، إذ بدا أنه يسعى لاستعادة دوره القيادي عربيا وإسلاميا، فجاءت تصريحات شيخه لدى استقباله رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية بأن المقاومة حق مشروع, وأنه شخصيا مستعد للاستشهاد في فلسطين إذا توحدت الفصائل الفلسطينية.

كما استضاف شيخ الأزهر وفدا صوماليا وأبلغه اعتزامه القيام بمبادرة لتحقيق المصالحة بالصومال، كما أصدر أمس بيانا أبدى فيه قلقه مما يجري في سوريا, وطالب كل الحكام العرب بإجراءات جادة وفورية تحقن دماء الشعب السوري وتعزز حريته.

واستقبل الأزهر كذلك مسؤولين أجانب، وكان لافتا أن شيخه رفض استقبال وزير الخارجية الإيطالي جوليو تيرزي دي سانتاغا صباح الخميس لتأخره عن الموعد مما دفع الوزير إلى التوجه مساء إلى منزل الشيخ لزيارته في لفتة يعتقد الكثيرون أن لها مغزاها.


سبب الصعود
وعن تعاظم دور الأزهر, تحدث الباحث السياسي عمار علي حسن للجزيرة نت عن سببين يرتبط أولهما بإدراك الأزهر أن الأنظار قد اتجهت إليه مع صعود التيار السلفي في الحياة السياسية, وأنه حان الوقت ليتحرك.

أما السبب الثاني -وفقا للباحث المتخصص في التيارات الإسلامية- فهو أن أجهزة الدولة ومعظم القوى السياسية والمثقفين يرغبون في صعود الأزهر لإحداث توازن داخل المجتمع.

وعن إعداد قانون جديد ينظم عمل الأزهر، قال حسن إن هناك إدراكا بأن الأزهر يجب أن يتمتع بمصداقية كي يتسنى له تأدية دوره، وهذا يفترض أن يكون مستقلا وهو ما يتطلب تغيير القانون الذي وضع عام 1961 وألحق الأزهر بسلطة الدولة حتى بات متهما بخدمتها.

وختم بأن الأزهر تعرض للإضعاف على مدى خمسين سنة، لكن بوسعه استعادة دوره في زمن قياسي مستفيدا من إرادته, فضلا عن دعم القوى السياسية والاجتماعية والثقافية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة