النص الروائي والشخصية الموحية   
السبت 13/11/1433 هـ - الموافق 29/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:28 (مكة المكرمة)، 9:28 (غرينتش)
أمير تاج السر
 
في الأيام الماضية عاد إلى الظهور مرة أخرى شخص كان قد اقتحم حياتي منذ عدة سنوات، طاردني بالرسائل والمكالمات الضائعة، والبريد الإلكتروني، وفي النهاية استوحيت منه شخصية "زيتون"، إحدى شخصياتي المؤثرة في رواية "زحف النمل".

أيضا، وأنا أشاهد مراسم دفن المغني السوداني الرائع نادر خضر منذ عدة أشهر، وقعت عيناي على شخص آخر، كنت قد انبهرت به في ما مضى، أفردت له حيزا  كبيرا في التفكير، وأوحى لي  بشخصية حفار القبور، مشجع كرة القدم التي كتبتها في رواية "صائد اليرقات".

بالطبع لم أكتب هاتين الشخصيتين المؤثرتين وغيرهما من الشخصيات التي ألتقطها في العادة من الواقع، بنفس مواصفات وجودها في ذلك الواقع. ولا أعتقد أن غيري من الذين يكتبون الرواية يفعلون ذلك، ولكن لا بد من تغيير ما، تطوير آخر أو مكياج كثيف يخدم النص ويدعم اتجاهات الكتابة ومغزاها والغرض من وجود مثل تلك الشخصيات داخل النصوص.

إذا دخلنا إلى عالم المبدع الراحل الطيب صالح -الذي أعرفه جيدا- لعثرنا على شخصيات بعينها، استوحاها الطيب من بيئته التي خبرها، بيئة قرية "كرمكول" في شمال السودان

ولو صيغت الشخصيات كما هي في واقعها المعيش، لضاعت صفة الصنعة من الإبداع، ولأصبح مجرد رصد نثري عادي أو توثيق يمكن أن يقوم به أي شخص لا علاقة له بالكتابة.

لكن كيف تكون الشخصية موحية؟ ولماذا  شخصيات بعينها، تبدو مؤثرة وتتقافز في ذهن الكاتب باستمرار حتى لو لم يكن يعرفها جيدا؟ خلافا لشخصيات أخرى، ربما يعرف تفاصيلها أكثر، ومع ذلك لا تأتي إلى الكتابة أبدا.

هنا لا توجد إجابة محددة، ولا أعتقد أن الكاتب يعرف بالتحديد، لماذا هذه الشخصية بالذات، وليست تلك. الكاتب بالضرورة شخص عادي في حياته اليومية، ربما يكون موظفا أو عاملا، أو حتى رئيسا للجمهورية، وتصادفه  في تلك الحياة، عشرات المواقف التي تصلح للكتابة، يصادفه عشرات الناس الذين يردمونه بالحكايات. يسافر ويعود ويحلم، وهو بالضرورة ملم بكل ما يحدث في عالمه العادي.

وحين يجلس على طاولة الكتابة بضغط من نص يريد أن يكتب بعد أن تكتمل فكرته،، يجلس بوصفه كاتبا، وهنا تأتي التقاطاته التي يسمح له بها النص إلى الورق من دون أن يعرف السبب، وربما يفاجأ في النهاية بأن شخصية عامل نظافة في أحد المطارات، شاهده للحظات كتبت بلا وعي منه، بينما شخصية جاره الذي اعتاد على طرق بابه عدة مرات في اليوم، لم تكتب ولا توجد نية لها لتكتب.

وفي كتاب "ألوان أخرى" للتركي أورهان باموق -الذي يحوي مقالاته التي كتبها لسنوات طويلة عن عالمه وعالم الكتابة عموما والكتاب الذين عرفهم وقرأ لهم- توجد إشارات كثيرة عن تلك الشخصيات الغريبة التي تتسلل إلى النصوص وتؤثر فيها، وتلك القوية الجبارة التي تأبى أن تحتل عدة أسطر في نص.

وحين قرأت سيرة غابرييل غارسيا ماركيز وعنوانها "عشناها لنرويها"، والتي نقلها للعربية طلعت شاهين، عثرت على شخصيات كثيرة بدت لي موحية بشدة. أذكر منها شخصية الخادم لدى أسرة الجد الجنرال، الذي اختفى لزمن طويل وعاد في اليوم السابق لوفاة الجد ليشارك في جنازته، وكان الجد عند عودته بعيدا تماما عن الموت، ويجلس في صدر المائدة يتناول عشاءه، لكنه مات بالفعل في اليوم التالي.

هذه شخصية أسطورية، لكني لم أعثر عليها ولا على غيرها من الشخصيات التي وردت في كتاب السيرة في رواية لماركيز، من ما يدعم حديثي بأن ليس كل ما يؤثر يمكن أن يكتب، وكل ما ليس مؤثرا يبعد عن سكة الكتابة.

وإذا دخلنا إلى عالم المبدع الراحل الطيب صالح -الذي أعرفه جيدا- لعثرنا على شخصيات بعينها، استوحاها الطيب من بيئته التي خبرها، بيئة قرية "كرمكول" في شمال السودان، وإن كان قد طور من تلك الشخصيات وبهرها بخياله الكبير، وصنع منها أساطير لم تكن كذلك في حياتها العادية.

من هذه الشخصيات شخصية "الزين" في روايته "عرس الزين"، وهي شخصية معروفة لدى ساكني القرية في ذلك الزمان، وشخصية التاجر سعيد، وهي شخصية موجودة أيضا، وكثير غيرهما، لكن بالمقابل، نجد شخصية مثل إسماعيل الحكاء، كانت جديرة بكتابتها، لكنها لم تكتب.

لو صيغت الشخصيات كما هي في واقعها المعيش، لضاعت صفة الصنعة من الإبداع، ولأصبح مجرد رصد نثري عادي، أو توثيق يمكن أن يقوم به أي شخص لا علاقة له بالكتابة

لقد كان إسماعيل حكاء عظيما، هكذا أصنفه، الرجل الذي تعرف مبكرا على إذاعة لندن، وبرامجها، والدراما التي تبثها، وسافر بعد ذلك ليعمل سائقا للواري السفرية بين العاصمة وشرق السودان، ولم يبرح البلاد قط، ومع ذلك كان يتصدر المجالس، يحكي عن صداقة جمعته بالممثل المصري عبد الوارث عسر. يحكي عن حوريات من الأردن والشام وستوكهولم، بركن تحت قدميه يتسولن حبه، عن حوارات أجريت معه في إذاعة لندن بوصفه شخصية بارزة، وعن المخرج المصري الشهير الذي عرض عليه دور بواب نوبي في أحد أفلامه ورفض بدافع الكرامة.

شاهدت الطيب صالح في إحدى السنوات، يجلس باسترخاء شديد، يستمع إلى حكايات إسماعيل التي تطول لساعات، ولا يقاطعه، وأيقنت تماما، أن الرجل لا بد سيظهر في رواية لاحقة للطيب، لكن ذلك لم يحدث قط، وهذا أيضا يدعم حديثي بأن ليست كل الشخصيات المؤثرة في الحياة، بالضرورة مشروعا لنص ما.

وفي تجارب شخصية لكتابة نص بحثي، أو نص قائم على شخصيات معروفة، لأسباب عدة، جمعت عشرات الصفحات والمعلومات عن تلك الشخصيات، أو تابعت حياتها إن كانت قريبة مني، وجلست لأكتب، ولم أستطع ذلك، ودائما ما أضرب مثلا بالآسيوي الذي يمشي عشرات الكيلومترات يوميا على قدميه، ويأتي إلى عيادتي، ليصيح بأن قدمه مكسورة ولا يستطيع المشي.

لقد صنفته بوعي شخصية أسطورية، صوته الغريب، ثيابه الملونة بشكل عنيف، ذلك الراديو متوسط الحجم الذي يحمله دائما، والحقيبة الجلدية الممزقة، التي لم تفارقه أبدا لمدة سبعة عشر عاما، والتي قام بفتحها ذات يوم، وكانت فارغة. لم أستطع كتابة تلك الشخصية، برغم كل ما ذكرته من إيحائها، ذلك ببساطة، أن لا نص تشكل بداخلي عنها، وربما يأتي يوم لأجدها فجأة في إحدى الروايات، أو لا أجدها على الإطلاق.

إذاً، أخلص إلى أن الكاتب لا يملك حقيقة شخصياته الموحية، ولا يستطيع أن يحددها سلفا ويقوم بإعادة إنتاجها في نصوص، ليس كل كاتب بلا شك، لأن هناك كتابا يستطيعون ذلك، ولكن يستطيع القارئ المتمرس على القراءة، ملاحظة الخلل الناتج من كون تلك الشخصية، رسمت بعنف، ولم تترك لتأتي وحدها.

أقصى ما أتمناه، أن تأتي تلك الشخصيات التي أحببتها على الواقع. تأتي في نصوص بسهولة، وأعتقد حقا بأنها خسارة كبيرة، أن يعبر ذلك الآسيوي غريب الأطوار بكتابتي من دون أن يدخلها، وكذلك آخرون بنفس المستوى من الغرابة.
_____________
روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة