انقسام روسي بشأن الاتهامات الأميركية   
الأربعاء 1422/7/1 هـ - الموافق 19/9/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


موسكو- علي الصالح
على أثر الحملة الهستيرية التي شنتها وسائل الإعلام المرئية في روسيا ضد ما سمته بالإرهاب الإسلامي, تحولت التغطية الصحفية للهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن منذ 11 سبتمبر/أيلول إلى سجال حاد شمل الجهة المسؤولة عنها وأسبابها وتبعاتها المحتملة.

الجهة المسؤولة
أجمعت الصحف الليبرالية على الإرهاب الإسلامي وروجت لحرب عالمية ثالثة وبشرت بقيام القيامة ونهاية العالم مبرزة في عناوينها تلك المعاني.

فقد كتبت صحيفة إزفيستيا افتتاحية بعنوان "أرماكيدون" أي الزلزلة أو القيامة. و"العالم كله في هزة والعرب في بهجة". وعنونت صحيفة فريميا نوفوستي "العالم انهار" و"الله جازاهم على الغطرسة". وقالت صحيفة كمسمولسكايا برافدا "حرب عالمية ثالثة بدأها الإرهابيون".

وتحت هذه العناوين ينتقل التهويش إلى هجوم مسعور على الإسلام والحضارة الإسلامية, فتحت عنوان "باسم الله" نقرأ في افتتاحية إزفيستيا "منذ البارحة لم يبق في العالم دولة عظمى، فحرب الحضارات التي طالما وصفها علماء المستقبل وكتاب الخيال بدأت، إنها حرب الله ضد عيسى، حرب الفقراء ضد الأغنياء، حرب البرابرة ضد الحضارة".

وتتابع "سلسلة الهجمات غير المسبوقة على نيويورك وواشنطن كانت إعلانا لاستبدال الديانة الرئيسية في العالم. ومنذ الآن فصاعدا ستكون الديانة الرئيسية في العالم هي الإسلام وليس المسيحية".

اتهام مشكوك فيه

اليمينيون الأميركيون يكرهون مدينة نيويورك "كتلة الضلال والرذيلة" ومدينة واشنطن "عش البيروقراطية"

نوفايا غازيتا

في المقابل شكك الكثيرون من الخبراء وأصحاب الرأي بهذه التأكيدات، فقد نشرت صحيفة نوفايا غازيتا تحليلا للخبير السياسي بوريس كاغارليتسكي قال فيه "بعد الهجمات مباشرة ظهر على شاشة التلفاز سياسيون روس وإسرائيليون دعوا إلى تدمير الإرهابيين دون تردد أو خشية ومخالفة لقواعد الديمقراطية أو باختصار دعوا إلى الرد على الإرهاب بالإبادة العرقية علما أن الاحتمال العربي الإسلامي ليس بأكثر من واحد من احتمالات كثيرة قائمة".

وبعد الإشارة إلى احتمال تورط مجموعات متطرفة من اليمينيين المسيحيين في الهجمات تابع قائلا: لدى هؤلاء تقليد معروف بالانتحارات السياسية وصعود وجوه أنغلوسكسونية إلى الطائرة أسهل بكثير من صعودها بالنسبة لغيرهم فاليمينيون الأميركيون يكرهون مدينة نيويورك "كتلة الضلال والرذيلة" ومدينة واشنطن "عش البيروقراطية". ويضيف "مستوى تنظيم هذه الهجمات أكثر من رفيع بالنسبة للإرهابيين العرب".

وفي صحيفة فريميا نوفوستي شكك مدير معهد علم الأجناس والأنتروبولوجيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية فاليري تيشكوف في إمكانية اكتشاف المذنبين بالهجمات في المستقبل القريب.

وأدان "التأكيدات القطعية" بتورط الأصوليين الإسلاميين في الهجمات من قبل سفير روسيا السابق في إسرائيل ألكسندر بوفين واعتبره أمرا خطيرا وقال "من غير الصحيح أبدا ربط ما جرى بالعامل الديني أو القومي قبل إعلان نتائج واضحة للتحقيقات".

ونسبت نشرة نوفوستي التي تصدرها وكالة ريا نوفوستي الروسية باللغة العربية إلى رئيس جهاز الأمن الفدرالي الروسي السابق والنائب الحالي لرئيس لجنة مجلس النواب الروسي للشؤون الأمنية قوله إنه يستبعد "أن يكون للأجهزة الأمنية في أي بلد إسلامي ضلع في الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن مؤكدا ضرورة بحث جميع الاحتمالات دون أن يستبعد تورط طائفة دينية بهذه الهجمات".

الأسباب والتبعات
في تفسير الأسباب التي أدت الى هذه الهجمات المروعة والتبعات التي قد تترتب عليها تنوعت آراء الخبراء والسياسيين في التحليلات والاستطلاعات الكثيرة التي نشرتها الصحافة الروسية منذ 11 سبتمبر/أيلول ورجحت فيها كفة الرصانة والعقل على محاولات التهويش وإثارة الكراهية ضد العرب والإسلام.

ففي تعليق لصحيفة كومرسنت على موجة الكراهية ضد العرب في أميركا كتبت عنوان "اضرب العرب أنقذ أميركا".

أما صحيفة موسكوفسكي نوفوستي الأسبوعية فقدمت ملفا كاملا عن الهجمات تتصدره صورة لابن لادن بعنوان "حكم عليه" مرفقة بعدة عناوين فرعية مثل "العدو" (تقصد الشعب الأميركي حسب تحديد بن لادن) و"الجهاد" (تقتطف قولا لابن لادن يشير إلى أن علماء الإسلام أعلنوا بصفة عدو لهم كل مواطن أميركي يدفع الضرائب لحكومته لأنه يساعد بذلك الحكومة الأميركية في صراعها ضد الإسلام) و"إرهاب وليس مشهدا عاديا" (صور لأطفال فلسطينيين يعبرون عن فرحهم بضرب أميركا).

في المقابل رفض وإدانة لهذا المنطق ظهر حتى في الصحف الليبرالية لأول مرة سببه حساسية اللحظة والإرث التاريخي لدى المفكرين الروس.


فيما مضى كانت أميركا تصفي حساباتها مع الإرهاب الدولي بمفردها أما الآن فثمة محاولة لجر العالم كله إلى الحرب بعد تقسيمه إلى أبيض وأسود

روسيا

ونشرت صحيفة روسيا في عمود المحرر تحت عنوان "طعن الضمير" تعليقا على عرض صور الأطفال الفلسطينيين المبتهجين لضرب أميركا كتبه يفغيني غولوبيف نقرأ فيه "الإسرائيليون سعوا لتبرير أنفسهم على حساب موت الغير. فالمقصود من عرض هذا المشهد هو القول: انظروا أين منبع الإرهاب! فهل يجوز الأسف على ضربهم بالصواريخ. والسؤال الذي نطرحه هو: من هو عديم الضمير هنا؟"(يقصد الأطفال الفلسطينيين أم عارضي صورهم على الشاشة؟).

وتتابع الصحيفة "لا شك أن من خطط لهذا العمل الوحشي المروع كان قد أدخل في حساباته ما يستدعيه من ردود, مدركا أن أميركا لن تتمهل بالرد أبدا"، مشيرة إلى أن الهجمات لابد وأن تستدعي لدى المجتمع الأميركي تلك الأحاسيس التي برمج عقله عليها".

وتخلص إلى القول "فيما مضى كانت أميركا تصفي حساباتها مع الإرهاب الدولي بمفردها أما الآن فثمة محاولة لجر العالم كله إلى الحرب بعد تقسيمه إلى أبيض وأسود".

ونشرت صحيفة سوفيتسكايا روسيا مقالا لرئيس الحزب الشيوعي زيوغانوف قال فيه "أشد ما يقلقنا هو سعي بعض السياسيين ووسائل الإعلام في روسيا إلى ركب موجة الذهول التي اعترت الناس من جراء الأعمال الإرهابية والإيقاع بين بلادنا وبين العالم الإسلامي والعربي".

الانتقام القاسي

من الواضح أن اتهام بن لادن ليس سوى وسيلة لتهدئة الرأي العام الأميركي المطالب بالانتقام الفوري بينما ينبغي على أميركا أن تتذكر كل من أساءت لهم في هذا العالم ومتى

سوفيتسكايا روسيا

ونشرت الصحيفة في العدد نفسه مقالا تحليليا للخبير السياسي تيتيوكين أوردته تحت عنوان "هذا الانتقام القاسي" قال فيه "من الواضح أن اتهام بن لادن ليس سوى وسيلة لتهدئة الرأي العام الأميركي المطالب بالانتقام الفوري بينما ينبغي على أميركا أن تتذكر كل من أساءت لهم في هذا العالم ومتى".

ويعيد الكاتب إلى الأذهان ما جرى لهيروشيما وناغازاكي وللكوريتين وفيتنام والشرق الأوسط والبلقان وعشرات الدول في أفريقيا وأميركا اللاتينية ونشوء حركة مناهضي العولمة كرد فعل من الطبقة الوسطى في بلدان أوروبا التي تكاد العولمة تعصف بجميع مصالحها ويخلص إلى القول "إذا لم تذهب الولايات المتحدة الأميركية إلى تغيير جذري في إستراتيجية علاقاتها مع عالم هائل في آسيا والشرقين الأوسط والأدنى وفي أفريقيا وأميركا اللاتينية فإن تكرار مثل هذه المأساة بل وما هو أفظع منها بكثير سيبقى أمرا محتوما".

وأجرت صحيفة نيزافيسيمايا استطلاعا لآراء كبار الخبراء بشأن الرد الأميركي على الهجمات وسياسة روسيا الخارجية نقتطف منه ما قاله غليب بافلوفسكي رئيس صندوق السياسة الفعالة الذي تعتبره الصحافة أكبر خبير في التكنولوجيات السياسية لدى الكريملين: "أميركا في وضع معقد. وفي ذروة مأساتها تحس أن أغلبية سكان الكرة الأرضية الموجودين في العالم النامي أقرب إلى الارتياح لإذلالها منهم إلى التعاطف معها.

التخويف والترهيب
ويبدو أن القيادة الأميركية تريد تغيير هذا الوضع بالتخويف والترهيب مما يعني أنها قد تقوم بفعل أشد فظاعة من هجمات 11 سبتمبر/أيلول لكي ينتقل العالم كله إلى الحديث عن الرد الأميركي الصارم بدلا من مناقشة أثر الهجمات.

ثم إن أميركا ستقوم باختيار العدو ومكان الضربة انطلاقا من الاعتبارات المريحة لها سياسيا فقط لذلك على روسيا أن تكون في غاية الحذر، إذ لا يجوز أن نجعل بلادنا رهينة للسياسة الأميركية كما لا يجوز النظر إليها كخبير مسؤول وقائد تحالف لمكافحة الإرهاب. بل بالعكس فقد أظهرت عدم قدرتها على تحمل مثل هذه المسؤولية. وبالتالي ينبغي أن ندعم أميركا طبقا لقيمنا وفي إطار مصالحنا القومية حصرا. أما ما يخص مفهوم "الدول المارقة" فهو منتج أميركي وليس مفهوما رسميا بل هو استعارة سياسية مضرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة