خبير: المنطقة تعاني فقرا مائيا يتطلب حلولا ذكية   
الثلاثاء 6/2/1437 هـ - الموافق 17/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:27 (مكة المكرمة)، 16:27 (غرينتش)

غادة دعيبس-روما

دعا فوزي كراجة مستشار موارد الماء والتربة بمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إلى اتباع طرق مستحدثة وذكية لترشيد استخدام المياه في الزراعة، بما يضمن التغلب على شح المياه، وتحدث للجزيرة نت عن تفاصيل المبادرات التي قدمتها المنظمة بهذا الشأن وتطبيقاتها في دول المنطقة.

وتطرق كراجة في الحوار إلى عدد من الأفكار العلمية والعملية المتعلقة بمشاكل الري والزراعة في المنطقة العربية، وتقييمه لكيفية إدارة المياه والخطط الإستراتيجية للمنظمة الأممية للحيلولة دون تفاقم مشكلة الجفاف والتغيرات المناخية حتى عام 2050، وتاليا نص الحوار:


كيف ترى الوضع المائي في الدول العربية؟

هناك 14 دولة عربية تعاني من الفقر المائي المدقع. أينما تقل حصة الفرد عن خمسمئة متر مكعب في السنة في دولة مثل الأردن وكل دول الخليج واليمن يكون هناك فقر مدقع، حسب مفهوم منظمة الفاو، وفي حين تبلغ تلك الحصة ألف متر مكعب فالبلد يعاني شحا في المياه، وهو ما تعاني منه موريتانيا والسودان ولبنان حيث هناك عجز اقتصادي لأن المياه متوفرة لكن ليس للبلد إمكانيات اقتصادية لسحبها. فحصة السودان من النيل 18 مليار متر مكعب لكنه يستخدم عشرة مليارات متر فقط، ويهطل على لبنان تسعة مليارات متر مكعب من الأمطار وتستخدم أربعة مليارات متر مكعب فقط.


ما هي الحلول التي تقترحها الفاو لمعالجة مشكلة الجفاف ومياه الري؟

هناك خيارات ذكية لاستخدام المياه بكفاءة وعقلانية بحيث نزيد المحاصيل الزراعية بأقل كلفة. أي نركز على زراعة النباتات التي تحتاج مياه ري أقل من غيرها وأن نستورد من عائدها المحاصيل التي تتطلب مياها بكمية عالية.

وعلى سبيل المثال، يحتاج كيلوغرام من الأرز إلى متر ونصف متر مكعب من الماء، بينما يحتاج كيلوغرام من القمح 1.2 متر مكعب، ما يعادل تكلفة دولار واحد للكيلوغرام بينما تكلفته بالسوق العالمية لا يزيد على عشرين سنتا.

والأردن ينتج 3% فقط من احتياجاته من القمح، وإذا أراد زيادة الإنتاج فسيكون على حساب محاصيل أخرى. ومن الأفضل عدم زراعة القمح، والتركيز على الخضراوات حيث ينتج بيت بلاستيك مساحته خمسمئة متر مربع ما بين 24 وثلاثين طنا من الخيار، و 18 و25 طنا من الطماطم، بعائد يتراوح ما بين ثلاث وأربعة دولارات للكيلوغرام، بينما محاصيل أخرى تأتي بعائد لا يتجاوز عشرين إلى 25 سنتا. ومن هذا العائد يمكن استيراد المحاصيل المكلفة مثل القمح أو الأرز. 

 ماذا عن تقنيات الري المستخدمة؟

هناك مشروع أدخلته الفاو لتعديل وتطوير نظام الري، ففي دلتا نهر النيل في مصر مثلاً حيث تسود زراعة الغمر منذ آلاف السنين، يستفيد جزء من المزروعات بهذه المياه التي يخرج جزء كبير منها من الأرض لأنه يزيد على حاجتها. ولهذا عملت الفاو على تجهيز الأرض على شكل مساطر (سروب) بحيث يمنعها من استيعاب مياه إضافية، وبهذه الطريقة قمنا برفع كفاءة المزارع باستخدام الحق الضروري من المياه للزراعة، وليس أكثر. هذه الطريقة زادت إنتاجية المزارع إلى 15%، وقللت نسبة استخدام المياه بنسبة تتراوح ما بين 20 و30%. وبدأت الفاو بالتعاون مع الحكومة المصرية في أربعة آلاف فدان، ولدينا الآن 130 ألف فدان لأن الدولة هي التي أخذت على عاتقها هذه التقنيات.

ومن التقنيات الأخرى "مبادرة شح المياه" التي تستعين بصور الأقمار الاصطناعية لتقدير احتياج الأراضي للماء، وتوزيع مياه الري في الوقت الذي يحتاجه المزارع، وليس بالوقت الذي تحدده الدولة. وقد اختارت المنظمة لتطبيق هذه الخطة في السنوات القادمة بعض الدول العربية مثل مصر وتونس والمغرب والأردن وسلطنة عُمان، وهناك طلب من الحكومة السودانية والموريتانية وفلسطين. وهو مشروع  يحتاج دعم الجامعة العربية التي عنيت الفاو بإشراكها ورحب به أيضاً وزراء الزراعة العرب، ويدخل ضمن السياسات المائية في الأقطار العربية. هناك سبعة أهداف ستطبق من هذه الخطة: رفع إنتاجية مصادر المياه، واستخدام المياه غير التقليدية، إدارة المياه الجوفية، المحاسبة المائية أي كمية المياه التي يحتاجها المزارع، تطوير الكفاءات المؤسساتية والبشرية.

ماذا تعني بالمياه غير التقليدية؟

المياه غير التقليدية هي شبه المالحة، وغير المستخدمة عادةً ونسبة ملوحتها أعلى من مياه الشرب وأقل من مياه البحر، وتحتاج أيضاً إلى زراعة غير تقليدية أي اختيار أصناف محددة من الحبوب لهذه المياه. وتركز المنظمة الأممية بشكل خاص الآن على استخدام هذه المياه لمشاكل الري. ومن أهم مصادرها المياه المعالجة من مياه الصرف الصحي، وتشكل نحو 20% من كمية المياه بمنطقتنا.


لكن الكثيرين لا يتقبلون هذا النوع من الماء للاعتقاد بأنها غير نظيف ويسبب الأمراض؟

إنها عملية نفسية وقد تكون هذه المياه أنظف من غيرها. وبعد دراسة في أميركا، وجهت سؤالا إلى ألف شخص: هل ممكن أن تأكل المحاصيل المزروعة بمياه الصرف الصحي؟ أجاب 10% منهم بنعم، مقابل90% أجابوا بـ لا. وعندما غيروا السؤال: هل يمكن أن تأكلوا المحاصيل المروية من معالجة المياه المهدورة، لم يزد الرقم كثيراً. لكن عندما سئل: هل يمكن أن تأكلوا المحاصيل المروية من المياه المكررة، زادت نسبة التقبل بنحو 50%. ولهذا ألغت بعض الدول كلمة معالجة واستخدمت كلمة مكررة.

هناك أيضاً المياه الرمادية والتي يمكن استخدامها بدون معالجتها، وهي المياه التي تخرج من مياه الحمام ومياه غسل الأطباق والتي يمكن استخدامها لري الأشجار والمزروعات في حدائق البيوت.
 

وهل هناك مصادر أخرى للمياه غير التقليدية؟ 

قد تكون مياه الفيضانات ومياه الأمطار التي تصب في البحار غير تقليدية، فالفيضانات السنوية في مدينة جدة السعودية، والمياه التي تهطل على الهضبة السورية، وتصب في البحر المتوسط دون الاستفادة منها، يمكن الاستفادة بها عن طريق ما يسمى "حصاد المياه" بزرع الأشجار أو عن طريق الأحواض، وتعمل الفاو الآن على بناء عشرة أحواض في الهضبة السورية، حيث تبلغ سعة كل حوض خمسين ألف متر مكعب، مما سيزيد من كميات المياه للمزارعين السوريين. أما بخصوص مياه الفيضانات السنوية على مدينة جدة، فتم الاتفاق مع الحكومة السعودية على تحويل مجراها ومسكها لتصبح مخزونا أرضيا مستقبليا للمدينة، ويمكن استخدامها لمياه الشرب أيضاً. 
 

ماذا عن المياه التي تتم تحليتها في المنطقة العربية، وحجم تلك المياه المحلاة؟

منطقتنا تُحلي أكثر من 60% من المياه المحلاة في العالم، وأهمها في السعودية والإمارات والكويت. وتقل تكلفة التحلية بالمعدات المتطورة اليوم عن السابق، إذ يكلف المتر المكعب نحو ستين سنتا، في حين يكلف مشروع الديسي بالأردن -الذي يجلب مياه الشرب من الجنوب إلى العاصمة- نحو دولارين للمتر المكعب. وفي هذه الحالة من الأجدى أن نعمل على تحلية المياه بدلا من نقلها.


وماذا عن المطر الاصطناعي؟
 
هذه العملية تنجح على مستوى الدول ذات المساحات الشاسعة مثل الولايات المتحدة، لأن الرياح قد تنقل الغيوم المشبعة بالمياه إلى مناطق مجاورة، كما أنها عملية مكلفة وقد تسبب الفيضانات في بعض الأحيان. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة