أسطورة الفرادة الأميركية ح2   
الثلاثاء 1432/11/22 هـ - الموافق 18/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:18 (مكة المكرمة)، 12:18 (غرينتش)


يروق للأميركيين فكرة أن الولايات المتحدة تملك تفردا واستثنائية بين العالمين، لكنها للأسف فكرة زائفة
.

ستيفن وولت *

الأسطورة الثانية
ادعاءات "الاستثنائية الأميركية" تنبع من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة
أمة فاضلة بصورة استثنائية، أمة تحب السلام وترعى الحرية وتحترم حقوق الإنسان وتقدس حكم القانون. ويحلو للأميركيين الاعتقاد بأن بلادهم تتصرف على نحو أفضل بكثير من الدول الأخرى، وبالضرورة أفضل من غيرها من القوى العظمى.

لو كان ذلك صحيحا، لما استوت الولايات المتحدة في توحشها مع أسوأ الدول في تاريخ البشرية. فالمتأمل في فصول التاريخ يتبين له كذب جل هذه الادعاءات القائلة بالتفوق الأخلاقي للولايات المتحدة.

ولمن لا يعلم أو يتذكر، فإن الولايات المتحدة واحدة من أكثر القوى التوسعية في التاريخ الحديث، بدأت بـ13 مستعمرة صغيرة على الساحل الشرقي للأطلسي، لكنها تمددت في نهاية المطاف في طول القارة الأميركية، فاستولت على ولايات تكساس وأريزونا ونيومكسيكو وكاليفورنيا من المكسيك في 1846.

لو كانت ادعاءات الولايات المتحدة بأنها أفضل من غيرها من القوى العظمى صحيحة، لما استوت في توحشها مع أسوأ الدول في تاريخ البشرية
وخلال مسيرتها هذه، أبادت معظم السكان الأصليين، وحصرت الناجين منهم في محميات فقيرة. وبحلول منتصف القرن الـ
19، طردت بريطانيا من شمال غرب المحيط الهادئ، وأحكمت قبضتها على النصف الغربي من الكرة الأرضية.

ومنذ ذلك الحين، خاضت الولايات المتحدة حروبا عديدة، وكانت هي البادئة في كثير منها، وسلوكها في هذه الحروب أبعد ما يكون عن أن يكون نموذجا للسلوك الأخلاقي المنضبط.

فخلال غزو الفلبين بين 1899 و1902، قتل ما بين 200 ألف و400 ألف فلبيني معظمهم مدنيون. كما لم تتردد الولايات المتحدة وحلفاؤها في تهجير 305 آلاف مدني ألماني، و330 ألف مدني ياباني، جراء القصف الجوي في الحرب العالمية الثانية، وقد تم معظم ذلك في إطار حملات منظمة استهدفت المدن المعادية. ولذا فلا غرابة أن قال الجنرال كورتيس ليماي -الذي أشرف على حملة القصف ضد اليابان- لمساعده "لو لم تكسب الولايات المتحدة الحرب، لحوكمنا كمجرمي حرب".

وخلال حرب فيتنام ألقت الولايات المتحدة أكثر من ستة ملايين طن من القنابل، بما في ذلك أطنان من قنابل النابالم والمواد الكيمياوية المدمرة للأشجار والغابات "كالعامل البرتقالي"، وهي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن وفاة عدد كبير من مليون مدني قضوا في تلك الحرب.

وفي أحدث هذه الحروب، قتل في حرب ثوار الكونترا المدعومين من الولايات المتحدة، نحو 30 ألف في نيكاراغوا، وهو عدد يعادل مليوني أميركي قتيل، بالنسبة إلى عدد سكان الولايات المتحدة.

وقد أدت الحملات العسكرية الأميركية بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى وفاة 250 ألف مسلم على مدى العقود الثلاثة الماضية (وهذه أقل التقديرات وهي لا تشمل الوفيات الناجمة عن العقوبات المفروضة على العراق في عقد التسعينيات)، بما في ذلك مقتل أكثر من 100 ألف شخص قضوا عقب غزو العراق واحتلاله عام 2003.

واليوم لا تزال الطائرات الأميركية بدون طيار والقوات الخاصة تتعقب الإرهابيين المشتبه فيهم فيما لا يقل عن خمس دول، مما أسفر عن مقتل عدد غير محدد من المدنيين الأبرياء جراء هذه العمليات. وقد يكون بعض هذه العمليات ضروريا لجعل حياة الأميركيين أكثر ازدهارا وأمنا. وبينما كان الأميركيون سيعتبرون دون شك مثل هذه الأفعال إجرامية وغير مبررة لو ارتكبتها دول أخرى بحقهم، فإننا نكاد لا نجد مسؤولا أميركيا واحدا يدين هذه السياسات، بل إنهم -ويا للمفارقة- ما زالوا يتساءلون "لماذا يكرهوننا؟"

الولايات المتحدة تجيد "لعبة حقوق الإنسان والقانون الدولي"، لكنها ترفض حتى اليوم التوقيع على معظم معاهدات حقوق الإنسان، وكانت على الدوام مستعدة للتقرب من الأنظمة المستبدة رغم سجلها المخزي في مجال حقوق الإنسان
تجيد الولايات المتحدة "لعبة حقوق الإنسان والقانون الدولي"، لكنها ترفض حتى اليوم التوقيع على معظم معاهدات حقوق الإنسان، وهي ليست موقعة على محكمة الجنايات الدولية، وكانت على الدوام مستعدة للتقرب من الأنظمة المستبدة رغم سجلها المخزي في مجال حقوق الإنسان!، هل تذكرون صديقنا حسني مبارك؟

إذا لم يكن ذاك كافيا، فإن فضحية أبو غريب وممارسة إدارة الرئيس جورج بوش لصنوف التعذيب كالإيهام بالغرق، والسجون الأميركية في الخارج، والاحتجاز الوقائي، أمثلة كافية لنسف الاعتقاد بأن أميركا تتصرف وفق المعايير الأخلاقية. إن قرار أوباما استبقاء العديد من هذه السياسات يثبت أنها ليست مجرد تجاوزات أو انحرافات مؤقتة.

سجل الولايات المتحدة واضح وجلي، لقد قام زعماء الولايات المتحدة بما ظنوا أنه ينبغي القيام به عندما واجهوا الأخطار الخارجية، ولم يولوا اهتماما يذكر للمبادئ الأخلاقية خلال مسيرتهم. يحلو للأميركيين الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أمة فاضلة بصورة متفردة، لكنه للأسف اعتقاد زائف.

يتبع...

الحلقة الأولى من أسطورة الفرادة الأميركية
___________________________
* أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد الأميركية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة