ربيع العرب هل ينهي الاستثناء المغربي؟   
الخميس 1432/4/5 هـ - الموافق 10/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:55 (مكة المكرمة)، 16:55 (غرينتش)

الملك محمد السادس في زيارة سابقة لمحطة طاقة تعمل بالرياح في طنجة (الفرنسية)

تطرقت صحيفة "لوموند" الفرنسية للوضع في مملكة المغرب الذي قالت إنه يبدو في منأى عن التوتر الذي يهز باقي الدول العربية، رغم أنه يشترك معها في مشاكل مشابهة من السياسة الشمولية التي يتبعها مسؤولوه، كما يقول يوسف بلال، واحتكار السلطة والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي قد تؤدي لحدوث اضطرابات، في حين يقول لوران بوردرلي للصحيفة إن مجيء الملك محمد السادس دشن مرحلة بدت جديدة في المغرب.

مرت السنوات ولم يحدث التغيير المنشود، ومع ذلك فالمغاربة ما زالوا ينتظرون من الملك أن يكون مهندس تغيير وتجديد حقيقيين. وتتساءل مونيا بناني شايبي عن قدرة الملكية على التعامل مع وضعها الجديد، في حين يقول عبد الله حمودي إن حاجزا كبيرا تم اختراقه وهو ارتفاع الأصوات المنادية بملكية دستورية.

فتحت عنوان "المغرب يشترك مع الدول العربية في مشاكل متشابهة"، قال الناشط في حزب التقدم والاشتراكية يوسف بلال إن سقوط الرئيس زين العابدين بن علي في تونس والرئيس حسني مبارك في مصر سلط الضوء على مشاكل الحكام العرب. ويضيف بلال أنه في ظل عهد الحسن الثاني كما في عهد محمد السادس نمت ثروات الأسرة المالكة في قطاعات كثيرة تمتد من البنوك والصناعة والاتصالات إلى العقارات، واستفادت من كونها لا تخضع للرقابة وتملك سهولة دخول الأسواق العامة.

المغرب يشترك مع الدول العربية في مشاكل متشابهة، وسقوط بن علي في تونس ومبارك في مصر سلط الضوء على مشاكل الحكام العرب
عقد سياسي جديد

وتساءل بلال عن كيفية كون وزير العدل هو المحامي الشخصي للملك والمسؤول عن أعماله المالية والتجارية، وكما كشفت وثائق ويكيليكس فإن القصر والمرتبطين به يستخدمون مؤسسات الدولة لفرض رسوم على المؤسسات المحلية والأجنبية.

وعلى الصعيد السياسي حافظ الملك محمد السادس على نهج والده في تركيز كل السلطات بيده في ظل غياب معارضة دستورية بإمكانها اعتراض القرارات العشوائية، ولكون الملكية تستند على شرعية دينية فهي تُسكت كل معارضة وأصوات تنتقد الملك.

ومع ذلك لا يمكن للملكية مواصلة هذا النهج، ويوضح يوسف بلال ذلك قائلا "إذا أراد الملك محمد السادس أن يتبع نهج الحداثة، فالأمر ما زال ممكنا، وذلك بالتخلي عن ممارسة السلطة التنفيذية، وهذا في إطار ديمقراطية تمثيلية مستقبلا، وعلى الملكية أن تتفرغ لوظيفتها الدينية، لأن ضمان استمرارها في العصر الحديث يتطلب ابتعادها عن الاضطرابات الدنيوية". ولنجاح الديمقراطية التمثيلية، يرى بلال ضرورة توافق جميع العناصر من أحزاب وهيئات المجتمع المدني للوصول إلى تحقيق عقد سياسي جديد.

هل يواجه نظام المغرب تهديدا؟
ومن جهته يقول الباحث في مجموعة بحوث ودراسات البحر المتوسط والشرق الأوسط الحواس سنيقر إن المغرب يواجه مثل جيرانه مشاكل اجتماعية واقتصادية لا يمكن إنكارها، ويمكن أن تنفجر إذا بلغت مرحلة الاحتجاج، لكنه يؤكد أن النظام ليس مهددا بدرجة كبيرة، مبررا ذلك بأن النظام حافظ على تماسك المجتمع منذ الاستقلال، كما أنه مستقر منذ قرون طويلة.

كما أن الملك الراحل محمد الخامس وبعده الحسن الثاني بدآ منذ الاستقلال تعددية "تحت المراقبة"، مما منح البلاد توازنا حزبيا تجسد مع بداية التسعينيات عندما زاد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي من وتيرة قمع الإسلاميين وأغلق مجال العمل السياسي أمامهم، وفي الجزائر ألغى الجيش في عام 1992 انتخابات فازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، المحظورة لاحقا، لتغرق البلاد في دوامة صراع مسلح.

لكن الحسن الثاني فعل العكس تماما، إذ أبدى مرونة كبيرة لتفادي مصير مماثل في المغرب، ففتح الباب من أجل دمج المعارضين السابقين. ويضيف الحواس أن هذا لم يمنع الحسن الثاني من الإبقاء على قبضة صارمة على الحياة السياسية رغم إضفاء طابع ديمقراطي ظاهري على الحياة السياسية في المغرب.

ولهذا السبب يرى الحواس سنيقر أن متظاهري 20 فبراير/شباط الماضي لم يطالبوا بإسقاط النظام، بل طالبوا الملك محمد السادس بإصلاحات دستورية تمنح مجالا أوسع للأحزاب السياسية. ويختتم سنيقر بقوله إن الزمن وحده كفيل بمعرفة قدرة النظام على تفادي الأسوأ.

المغاربة يعولون على الملك الذي يحظى باحترام وتعاطف كبيرين يحسده عليهما نظراؤه العرب من أجل أن يكون مهندس التغيير المنشود

المغاربة يعولون على الملك
وقريبا من هذا الطرح، يرى أستاذ القانون العام في جامعة ريم الفرنسية لوران بوردرلي أن عام 1999 شهد صفحة بدت جديدة مع الملك محمد السادس، وتميزت بـ"مدونة الأسرة" و"هيئة الإنصاف والمصالحة"، وهو ما لقي ترحيبا على الصعيد الخارجي، مما أوحى بأن المغرب يتجه مع بداية القرن الواحد والعشرين إلى ملكية متجددة.

لكن بعد سنوات قليلة اتضح أن كل ذلك ليس سوى مجرد معطيات ظاهرية فقط، وأن القصر لم يتراجع قيد أنملة عن سلطاته الواسعة. فالمؤسسة الملكية تسيطر على كل شيء تقريبا، والحكومة محرومة من أية استقلالية بل تبدو كهيئة استشارية تساعد في إصدار القرارات الملكية، أما البرلمان فهو أشبه بغرفة تسجيلات ويجسد إرادة الملك.

كما لا يمكن الاعتراض على القرارات الملكية ولو باللجوء إلى القضاء، فكل ما يصدر عن الملك يكتسب قوة القانون.

ويقول بوردرلي إنه حتى لو شهد المستقبل انتخابات شفافة، فهي لن تأتي بأي خيارات جديدة، فالملك هو الذي يضع الخطوط السياسية وبرامج الأحزاب لا تبتعد عما يريده الملك. كما أن القرارات الاقتصادية يتم اتخاذها في القصر كما كشفت وثائق ويكيليكس. ويشير بوردرلي إلى نادية ياسين من جماعة العدل والإحسان المحظورة وهي من الأصوات القليلة المنادية من أجل مجلس تأسيسي وتقليص السلطات المطلقة للملك.

ويذكر بوردرلي بحديث أدلى به الملك محمد السادس في سبتمبر/أيلول 2001 للصحافة الفرنسية قال فيه إن "المغاربة يريدون ملكية قوية، ديمقراطية وفاعلة، والملك في المغرب لا يكتفي بالحكم فقط، أنا أحكم وأعمل مع حكومتي".

ويوضح بوردرلي أن هذا هو النموذج السائد حاليا وهو ليس مرغوبا فيه، فالمغرب ليس بعيدا عن المشاكل التي تعصف بباقي البلدان العربية، ففيه أيضا شباب لا يملك مستقبلا واضحا، وانتشار الفساد، ونظام تربوي متهالك، واحتقار النخبة، وهذا ما يغذي إحباطا متزايدا.

ومع ذلك، يقول بوردرلي إن المغاربة يعولون على الملك الذي يحظى باحترام وتعاطف كبيرين يحسده عليهما نظراؤه العرب، من أجل أن يكون مهندس التغيير المنشود.

الملكية المغربية أمام اختبار عصر الثورة
وأمام مستجدات العصر وتحدياته، تتحدث أستاذة العلوم السياسية في جامعة لوزان بسويسرا مونيا بناني شرايبي قائلة إنه لا أحد من علماء الاجتماع كان يراهن على قدرة الحشد عبر فيسبوك لإحداث تغيير في تونس ومصر في نحو شهر واحد فقط. وتساءلت قائلة "من كان سيصدق أن جيشا عربيا يرفض إطلاق النار على المتظاهرين؟"، وتضيف أنه لا توجد استثناءات ثقافية في العالم العربي أو الإسلامي إلا في طريقة تعامل المسؤولين الغربيين، وهي مشحونة بالمخاوف مما يسمونه إرهابا.

وتقول مونيا إن الملكية في المغرب تقبل التعددية الحزبية وهي التي نجت بأعجوبة من المحاولات الانقلابية المتتالية بدءا من عام 1970، كما احتوت الحركات اليسارية بين عامي 1970 و1980، وقمعت الاحتجاجات الاجتماعية في الأعوام 1965 و1981 و1984 و1990. كما توضح أن الملكية واجهت تحديا عندما حدث تغيير بمجيء الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في تونس ووعده بتغيير ديمقراطي، بالإضافة إلى أحداث في عام 1988.

وأمام هذه المسيرة تؤكد الباحثة أنه مقارنة بنظامي بن علي في تونس ومبارك في مصر، يبدو النظام في المغرب بصدد التأقلم مع تحولات محيطه، ومراقبة جيرانه من أجل استباق أي حركة مفاجئة.

وتشير مونيا إلى أن الائتلاف التوافقي لعام 1998 ومجيء الملك محمد السادس في عام 1999 كانا مؤشرا على "ربيع المغرب" حيث تم دمج الإسلاميين جزئيا في البرلمان، وفسح المجال أمام حرية نسبية للصحافة، وإنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة (2004-2006) التي كان الهدف منها طي ملف "سنوات الرصاص"، ثم جاءت تفجيرات الدار البيضاء في مايو/أيار 2003 لتعطي دفعة لتحفظ الملكية على مواصلة الانفتاح السياسي.

وتختتم مونيا بالقول إن ما حدث في تونس ومصر فتح آفاقا لفرص جديدة، فقد تحرك المتظاهرون بالتزامن في عدة مدن مغربية يوم 20 فبراير/شباط الماضي لتبدو الخريطة السياسية في المغرب أمام محطة إعادة تنظيم جديدة وتحد جديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة