النصُّ الرائي   
السبت 15/10/1436 هـ - الموافق 1/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:50 (مكة المكرمة)، 11:50 (غرينتش)

*إبراهيم صموئيل

في مشهد قصير, بليغ الدلالة (تفصيل ـ 9) من مسرحيته "منمنمات تاريخيّة" يسلّط سعد الله ونّوس ضوء موهبته على الجرح الأزليّ للناس الذي تنزف منه آلامهم وأوجاعهم فتشكّل أسّ مواقفهم, سواء من بلدانهم أو من أعدائهم أو من المخاطر الجسيمة والحروب.

ولو كان المجال يتّسع -هنا- لأوردت المشهد الحواريّ كاملاً, وذلك لما تضمّن من ثراء وإشارات تضع الإصبع على الجرح المزمن. فإذ يقوم الشيخ برهان الدين التازلي بتفقّد أسوار قلعة دمشق, وأحوال المدافعين عنها ومعنويّاتهم، يلتقي باثنين منهم: "أحمد" المتهيّج من مفعول الخمرة لملاقاة جيش تيمورلنك, والحائك "مروان" المكلوم من نهب عساكر السلطانيّة لأقمشة دكانه تحت تهديد السلاح.

وحين يشكو مروان للشيخ التازلي الظلم الواقع عليه جراء سطو عساكر السلطانيّة ونهبهم بضاعته التي يكدّ ويشقى بحياكتها للعيش من دخلها، يحتدّ هذا الأخير قائلاً "بين ساعة وأخرى سيتقرر مصير أهلنا ومدينتنا ومستقبل أيامنا, قولوا لي، كيف سنفلح إذا قاتلنا, وكلٌّ منّا يحمل في نفسه ضغينة أو وسواساً؟ لا ليس هذا وقت الحزازات والحسابات الصغيرة, اليوم يجب أن نعلو على الصغائر, وأن نؤجج في قلوبنا العزم والجسارة".

ولنا أن نتساءل: هل الوقت الذي شكا خلاله مروان هو وقت حرج حقاً إذ إن العدو بات على الأبواب, وأن الجهود كلّها يجب أن تنصبّ على مواجهته وقتاله دفاعاً عن البلاد؟

سؤال أزلي
ويمضي التازليّ غاضباً. يمضي وكأني به -وهو يشدّ العزم ويشحذ همم  الناس لمواجهة تيمورلنك- يقول لهم: إنّ الشيطان يكمن في التفاصيل (!!) ولذا فأيّ شكوى أو تذمّر أو ضغينة من تعسّفات أو اختراقات أو تعدّيات من قبل أفراد الجيش أو رجال السلطة والحكم إنما هي "حسابات صغيرة" وحزازات جانبية فردية لا وقت لها الآن لأننا "أمام معركة مصيريّة" وفق تعبير التازلي في ردّه على هموم وشكاوى الحائك فقير الحال.

ولنا أن نقدّر -قبل زحف جيش تيمورلنك- كيف كان يشكو هذا الحائك أو ذلك الحرفي أو ذاك الصانع من الظلم الواقع عليهم, والأذى الذي يلحق بأرزاق عيالهم, مُطالبين بردّ المظالم عنهم.. غير أن أحداً -ممن في يده القرار والقدرة- لم يكن ليأبه بشكواهم أو يقيم العدل في حيواتهم, حتى إذا ما حلّت ساعة المواجهة مع عدوّ خارجيّ طامع, واستمرت الانتهاكات والتعدّيات على حقوق الناس كما كانت, قيل لمن يشكو منها: "إن الوقت غير مناسب لتصفية الحسابات الصغيرة".

ولنا أن نتساءل: هل الوقت الذي شكا خلاله مروان هو وقت حرج حقاً إذ إن العدو بات على الأبواب, وأن الجهود كلّها يجب أن تنصبّ على مواجهته وقتاله دفاعاً عن البلاد؟ وهل رزق هذا الحائك المسكين لا شيء يُذكر إزاء المغنم العظيم: الانتصار على الأعداء؟ ثمّ مَنْ هو العدو: جيش تيمورلنك الزاحف نحو قلعة دمشق لاحتلالها, أم عساكر السلطانيّة الذين يُفترض أن يكون وجودهم لمقاومة الغزو ودحره فحسب؟

يمنى العيد:
نصّ سعد الله ونّوس تنويع إبداعي على معارف متجددة في ما هو اجتماعي تاريخي يخصّ الإنسان العربي في علاقته بحريته, وجسده, وفكره

معارف متجددة
ولعلّ هذا ما أدار الحوار الحادّ بين مروان وأحمد, حين يغضب الأخير من شكوى صاحبه "لأن ما نحن أمامه -يقول صارخاً- أهمّ من خرقة قماش يا مروان" فيردّ مروان بحرقة قائلاً: "أتسمّيها خرقة؟! إني أضع روحي في كلّ منديل, أو قطعة كمخة أنسجها. قلْ لي: لماذا أقف الآن على هذه الأسوار؟ ألم أفعل ذلك لحماية عملي ورزقي؟" فلا يكون من أحمد غير أن يستلّ الشعارات ويرفعها في وجهه: "إننا هنا من أجل الكرامة, من أجل العزّة, من أجل البطولة يا مروان".

وبين أخذ وردّ حول وضعيّة الحصان أمام العربة أم خلفها, تقع هزائم وتضيع بلاد ويتشرّد عباد, ويغزو الغزاة من دون أن نتّعظ ونتعلّم, منذ القرن التاسع للهجرة -زمن العمل المسرحي- وحتى يومنا الراهن, بحيث لا تحين منّا التفاتة حقيقية وجادة لردّ المظالم التي تجري في حقّ "الهموم الصغيرة" تلك التي تشكّل اللبّ والجوهر لأيّ صرح: أكان دحراً للعدو, أو بناء لوطن, أو حماية لأرض, أو تقوية لشعبٍ وتمتيناً للحمته.

إنّه النّص الرائي بعمق, ليس لِما كنّا عليه ماضياً, ولا لِما نحن فيه راهناً, بل ولِما سنؤول إليه -ربما- في المدى المنظور، وهذه الرؤيا هي ما حفزت الناقدة الكبيرة يمنى العيد للقول بحق: "نصّ سعد الله ونّوس تنويع إبداعي على معارف متجددة في ما هو اجتماعي تاريخي يخصّ الإنسان العربي في علاقته بحريته, وجسده, وفكره, كما في علاقته بسياسة حكّامه المستبدين, بالغزاة المعتدين, بالسائد من المعتقدات, بالمفاهيم والمعارف المنحرفة عن أهدافها النبيلة, وبالتالي, بعيش يوميّ بائس, وتاريخ تتكرر هزيمته".
_______________
*كاتب وقاص سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة