ماذا وراء ظهور المدير الجديد للمخابرات الجزائرية؟   
الثلاثاء 5/3/1437 هـ - الموافق 15/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 0:45 (مكة المكرمة)، 21:45 (غرينتش)

ياسين بودهان-الجزائر

طغى الظهور الأول للمدير الجديد للمخابرات الجزائرية الجنرال عثمان طرطاق على عناوين الصحف الجزائرية، ورغم تباين قراءة دلالات الحدث فإن الجميع متفق على أن ظهور الرجل حطم تلك الهالة التي كان يتدثر بها المدير السابق لهذا الجهاز الأمني الجنرال محمد مدين، المعروف باسم الجنرال توفيق.

وظهر طرطاق الأحد في العاصمة الجزائرية لأول مرة أثناء اجتماع لأجهزة الشرطة الأفريقية (الأفريبول) إلى جانب مدير الدفاع المدني العقيد مصطفى لهبيري، وركزت القنوات التلفزيونية المحلية كثيرا على الجنرال طرطاق، وتمّ تصويره دون أن يمتنع أو يبدي انزعاجا من ذلك.

ويعد هذا الظهور سابقة لدى مديري هذه المؤسسة الأمنية الحساسة في الجزائر، ذلك لأن منصب رئيس دائرة الاستعلامات والأمن (المخابرات العسكرية) ظل محاطا بقدر كبير من الهالة وأحيانا من الخوف والرهبة.

خبر الظهور العلني للجنرال طرطاق تصدر الصفحة الأولى ليومية الحوار كباقي الصحف المحلية (الجزيرة)

وتكرست هذه الصورة النمطية في فترة تولي الجنرال توفيق الذي حكم الجهاز بين عامي 1990 و2015، إذ على مدار 25 عاما حرص على عدم الظهور. فرغم مشاركته في أنشطة رسمية، فإن التعليمات كانت توجه للصحافة بعدم تصويره، ولم يتعرف الجزائريون على صورته الحقيقية إلا يوم تقاعده.

مسار الرجل
ويعدّ الجنرال طرطاق -المشهور بـ"الجنرال بشير"- أحد قيادات جهاز المخابرات، وكان في وقت سابق مديرا لجهاز الأمن الداخلي، وقد أحاله الجنرال توفيق للتقاعد في عام 2013، ثم عينه بعد عام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مديرا للأمن في الرئاسة، ثم مديرا للمخابرات في 13 سبتمبر/أيلول الماضي.

وقد تصدرت صورة الجنرال غلاف أغلب الصحف الصادرة الاثنين، واتفقت أغلب الصحف الجزائرية على أن ظهور طرطاق أنهى أسطورة "الرجل الشبح"، في إشارة إلى الجنرال توفيق.

وفي هذا السياق، كتبت يومية الشروق "اللواء طرطاق ينهي أسطورة الجنرال توفيق"، وتساءلت الصحيفة إن كان هذا الظهور بمثابة إستراتيجية جديدة للجهاز، أما صحيفة النهار فرأت أن "الظهور العلني للمسؤول الأول عن دائرة الاستعلام والأمن سيكون بشكل دوري مستقبلا".

إسعادي: ظهور طرطاق يعطي انطباعا برغبة المخابرات في الانفتاح (الجزيرة)

وأكدت يومية الرائد أن "طرطاق كسر الهالة التي خلقها الجنرال توفيق"، في حين عنونت يومية الحوار صفحتها الأولى بـ"الجنرال طرطاق ليس شبح".

تقاليد جديدة
وعن دلالات وأبعاد هذا الظهور، يعتقد رئيس تحرير يومية "وقت الجزائر" فاتح إسعادي أن هذه الخطوة قد تعطي الانطباع بشأن رغبة جهاز المخابرات العسكرية في الانفتاح على العالم الخارجي، وتجاوز الصورة النمطية التي اقترنت بها منذ عقود، آخرها تلك التي رافقت الجنرال المتقاعد توفيق.

ولم يستبعد إسعادي في حديثه للجزيرة نت أن يكون ظهور طرطاق "تصحيحا لخطأ"، بعد أن شاعت عنه مباشرة بعد تعيينه على رأس المخابرات صورة ليست له.

وقد يكون الهدف أيضا -وفق رأي المتحدث- "التلميح من القيادة العليا في البلاد بأن الجزائر مقبلة على جهاز مخابرات سيكرس تقاليد جديدة، وسيكون أكثر انفتاحا، استكمالا لمسار إعادة هيكلته".

وذهب رئيس تحرير الموقع الإلكتروني "سبق برس" محمد رابح، إلى أن الظهور الإعلامي لمدير المخابرات الجديد مرحلة جديدة في الصراع الدائر في أعلى هرم السلطة بالجزائر بين الجناح الرئاسي الذي يشكل برأيه اليوم القوة الرئيسية، وبين أنصار الجنرال توفيق الذي أحيل على التقاعد وزج بمساعده الأقرب في السجن.

رابح: ظهور طرطاق مرحلة جديدة في الصراع بأعلى هرم السلطة بالجزائر (الجزيرة)

الدولة المدنية
ومع تشديد رابح -في تصريح للجزيرة نت- على أن ظهور طرطاق ليس عفويا، سواء من حيث الشكل أو التوقيت، فإنه يعتقد أن مدير المخابرات حرص بظهوره أمام الكاميرات على تمرير رسالتين.

وأضاف أن الرسالة الأولى قد تكون موجهة للجنرال توفيق نفسه بغرض "الإمعان في إذلاله، وتحطيم الصورة النمطية التي رسمت في المخيلة الجماعية للجزائريين عن نفوذ الرجل وتحكمه في كل شاردة وواردة".

وأما الرسالة الثانية فهي التعبير عن دعم طرطاق الواضح -بصفته شخصية عسكرية- لخطاب الدولة المدنية.

ورغم تأكيده أن الظهور العلني لمدير المخابرات أمر بديهي في معظم دول العالم، فإنه في حالة الجنرال طرطاق لا يعبر بالضرورة عن تغيير في سلوك النظام الجزائري، موضحا أن غياب بوتفليقة -الذي يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة- عن المشهد السياسي "ينسف أي طرح بخصوص وجود إرادة جادة لدمقرطة النظام السياسي في الجزائر".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة