الجزائر.. خريف الجنرال وربيع بوتفليقة   
الاثنين 1436/12/1 هـ - الموافق 14/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:08 (مكة المكرمة)، 14:08 (غرينتش)
مصطفى فرحات-الجزيرة نت

نزل خبر تنحية الفريق محمد مَدْيَن -المعروف بالجنرال توفيق- على الجزائريين كالصاعقة رغم أن كل الدلائل كانت توحي بقرب أفول شمسه منذ التحضير لعهدة عبد العزيز بوتفليقة الرابعة التي أبدى تحفظات بشأنها، وذلك لأن الهالة التي أحاطت بـ"رب الدزاير" (رب الجزائر) -كما لُقّب الفريق مدين- وضعته في مكانة لم يتجرأ أحد أن يمدّ أصبعه تجاهها.

غير أن الرجل -الذي قضى 25 سنة على رأس جهاز الاستخبارات الجزائرية- أُحيل على التقاعد بعدما جُرّد الجهاز الذي يشرف عليه من أغلب أذرعه القوية التي وضعت تحت سلطة الجيش الجزائري، كما أحيل على التقاعد كثير ممن يكنّون له الولاء وتوبع بعضهم قضائيا بتهم جنائية.

وتولّى الجنرال عثمان طرطاق -المدعو بشير- الجهاز خلفا له، بعد فترة قضاها مستشارا لدى رئيس الجمهورية وعقب إقالته من مديرية الأمن الداخلي في عام 2014.

صراع الجبابرة
هذه الإقالة التي تدثّرت بعباءة الإحالة على التقاعد شكّلت الفصل الأخير من مسلسل صراع الرئيس ودوائره من جهة ضد جهاز الاستخبارات القويّ الذي يُعتبر رأسه توفيق "صانع الرؤساء".

video


وتسارعت وتيرة التغييرات على رأس الأجهزة الأمنية الجزائرية عقب أحداث شهدتها إقامة الرئيس بوتفليقة في زرالدة (غربيّ العاصمة)، حيث سمع إطلاق رصاص اختلفت الروايات في تحديد سببه، لكنه أدّى إلى تغيير مسؤول مديرية الأمن الرئاسي وقائد الحرس الجمهوري وقائد مديرية الأمن الداخلي.

كما أدى الصراع بين الرئاسة والمخابرات إلى اعتقال الجنرال حسان -المسؤول السابق لمصلحة مكافحة الإرهاب- بتهم كبيرة بينها "تكوين جماعة أشرار وحيازة أسلحة غير مرخص بها، وإخفاء معلومات".

وبإحالة الفريق محمد مدين، وقبله بأيام اللواء أحمد بوسطيلة -الذي شغل منصب قائد الدرك الوطني- على التقاعد، يكون الرئيس بوتفليقة قد طوى ملف آخر القيادات الأمنية التي شاركت في وقف المسار الانتخابي في يناير/كانون الثاني 1992، بعد إحالة سابقيهم على التقاعد طيلة عهداته الثلاث الماضية.

وتضع هذه التغييرات التي أضعفت جهاز الاستخبارات ونقلت سلطاته إلى وزارة الدفاع سلطات غير مسبوقة بين يدي الفريق أحمد قايد صالح (75 عاما) قائد الأركان ونائب وزير الدفاع.

وتذهب قراءات متابعين للمشهد السياسي في الجزائر إلى أن هذه الحركة تهدف إلى تهيئة الجو للرجل الذي سيخلف الرئيس بوتفليقة. ورغم أن سيناريو توليّ شقيق الرئيس سعيد بوتفليقة يبقى مستبعدا، فإنه بات من المرجّح أن يساهم الوافد الجديد إلى قصر المرادية (القصر الرئاسي) في الحفاظ على تراث بوتفليقة وصنائعه.

ورقة التوت
في تعليقها على الحدث، قالت صحيفة "الوطن" -الناطقة بالفرنسية- إن تنحية الجنرال توفيق تعتبر "نهاية عصر"، فيما اعتبرت صحيفة "الخبر" أن الحدث يعني "نهاية الأسطورة"، واصفة الجنرال توفيق بأنه "شبح حكم الجزائر ربع قرن".

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لجأ إلى تغيير رؤوس أمنية كثيرة (غيتي)

ورغم أن قرار الرئيس بوتفليقة يُسوّق له مؤيدوه على أنه "عصرنة" لمؤسسات الدولة الحيوية وليّ الذراع الأمنية التي كانت تطوّق المشهد السياسي، فإن هناك مخاوف كثيرة تتعلق بطبيعة القرار وتوقيته والواقف خلفه، على اعتبار أن الرئيس الذي بدأ عهدته الرابعة مقعدا بسبب المرض لا يمكنه أن ينجح في فعل ما لم يفعله وهو رئيس قوي لولا تدخل أطراف داخلية وخارجية ساهمت في ترجيح ميزان القوى لصالحه.

وتؤكد قراءات سياسية وإعلامية أن الرئيس بوتفليقة كسر بهذه التغييرات الأمنية "ازدواجية صناعة القرار" التي اتسمت بها الجزائر منذ بداية الأزمة الأمنية سنوات التسعينيات، حيث صار جهاز المخابرات أقوى من جهاز الرئاسة نفسه، لترجح كفة مؤسسة الرئاسة مرة أخرى.

ونقلت صحيفة "الخبر" عن موقع "ميدل إيست آي" البريطاني أن "الرئيس بوتفليقة يظن من خلال تسريحه بعض الجنرالات، أنه انتصر في معركته، ولكن الحقيقة هي أن هذا الجهاز -كما في بقية الدول غير الديمقراطية- أكثر تعقيدا وقوة من أن يموت بمجرد رحيل بعض قياداته".

غير أن الرئيس بوتفليقة الذي رفض أن يكون "ثلاثة أرباع رئيس" -كما صرّح بذلك عقب توليه سدة الحكم في عام 1999- يمسك اليوم بأعنّة صناعة القرار بشكل غير مسبوق في عهداته السابقة، وهو بذلك لن يجد -كما لن يجد محيطه- مشجبا يُعلّق عليه أي فشل سياسي أو اقتصادي تهوي به أسعار النفط المتردّية في مكان سحيق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة