"الحياة في مسباح".. توثيق التراث   
الأحد 1432/1/7 هـ - الموافق 12/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 19:36 (مكة المكرمة)، 16:36 (غرينتش)
المسبحة لها أهمية خاصة في المجالس الرجالية (الجزيرة نت)

شرين يونس -أبو ظبي
 
صدرت مؤخرا عن دار الكتب الوطنية بهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، موسوعة "الحياة في مسباح" بالتعاون مع شركة "الوراقون" بالبحرين، وهي تحكي سيرة المسبحة وتطورها عبر العصور، ومكانتها دينيا واجتماعيا خاصة في المجتمعات العربية والإسلامية.

ولا يعرف الكثيرون أن المسبحة تعد تطورا طبيعيا لفكرة القلادة، وقد ربط بعضهم ظهورها بالاستخدامات الدينية، إلا أن استقراء التاريخ يربط ظهور المسبحة بالأحجار الكريمة التي سحرت الإنسان قديما فجمعها وهذبها، خاصة مع رسوخ العديد من المعتقدات حول قدرتها سواء في علاج الأمراض أو جلب الحظ.
 
ومع مرور الزمن تطورت القلائد وبدأت تأخذ أشكالها الحالية، وغزت الحضارات الشرقية والغربية، كالحضارة الفينيقية في بلاد الشام والحضارة الرومانية، ومع ظهور الإسلام تحولت وصارت تعرف باسم "السبحة" واستخدمت في التسبيح بالإضافة إلى العد والإحصاء.

وقد انتشرت بشكل ملحوظ أثناء حكم المغول والفاطميين والمماليك ثم العثمانيين، خاصة مع نشوء كثير من الطرق الصوفية، فأصبحت جزءا من الحياة اليومية وعادة اجتماعية متوارثة.

غلاف موسوعة الحياة في مسباح
على أن الاستخدام الديني لها لم يكن مقتصرا على المسلمين، فهناك العديد من الآثار لاستخدام المسبحة في الأديان القديمة كالوثنية والبوذية، وكانت معروفة لدى اليهود والمسيحيين، ودلت المنحوتات والرسوم القديمة على استخدام الإنسان للمسبحة منذ زمن بعيد في التأمل والتعبد.

ومع مرور الزمن انتشرت المسبحة، لاسيما في المجتمع الرجالي، فلم ينحصر استخدامها في منحى واحد، بل تعددت أغراضها لتشمل مفاهيم الجاه والمقام، وتستخدم المسبحة في بلدان أخرى لأغراض التأمل والعلاج النفسي.

عناصر ومواد
وتنتقل الموسوعة إلى الحديث بشكل مفصل بصور توضيحية خلابة عن عناصر ومكونات المسبحة، والمواد المصنوعة منها، وكذلك مراحل تصنيعها، وأسباب قرب انقراض تصنيعها بالطرق القديمة.

وعلى الرغم من تنوع أشكال المسبحة واختلاف عدد الحبيبات فيها، فإن أجزاء المسبحة الأساسية لا تختلف، فهناك "الحبيبات"، ثم "المئذنة" أو الشاهد، وتكون في نهاية طرفي الخيط الجامع لهذه الحبيبات، وسميت بذلك لأنها تأخذ شكل مئذنة المسجد بجميع تنوعاتها و فنونها الزخرفية.
 
وهناك "الفواصل" التي تفصل بين كل مجموعة من الحبيبات، وتصنع من نفس مادة المسبحة، وإن كانت مختلفة في الشكل، وهناك الخيط المستخدم في نظم أجزاء المسبحة وتجميعها ثم تأتي "الكركوشة" أو "الشرابة" كما يسميها بعض الناس ولها أشكال كثيرة.

وتتعدد المواد المستخدمة في صناعة حبات المسبحة في الوقت الراهن، وتتنوع بين الأحجار الكريمة كالماس والياقوت والزمرد، والأحجار ذات الأصل العضوي كالكهرمان واليسر الأسود واللؤلؤ والمرجان، وأيضا المعادن كالفضة والذهب، والمواد ذات الأصل الحيواني  كالعظم والعاج، والخشب بأنواعه كالصندل والقوق والأبنوس والزيتون.

 مواد خام متنوعة لصنع حبيبات المسبحة (الجزيرة نت)
أشكال الحبيبات
تتعدد الأحجام والأشكال المستخدمة في تصنيع حبة المسبحة، وتتنوع تبعا للغرض الذي ستستخدم فيه، وكذلك نوعية المادة المستخدمة في التصنيع. ومن أكثر أشكال حبات المسبحة شيوعا في الوقت الراهن، الشكل البيضاوي والإسطنبولي والدائري والتفاحي.

ويتميز الشكل الدائري، بأنه يصلح مع كثير من الخامات المستخدمة في صنعها، للنحت والتشكيل به، ومن أبرز الخامات المستخدمة في صنعه اللؤلؤ والمرجان والكهرمان وبعض أنواع الأخشاب.

ويقال إن الشكل الإسطنبولي أو البندقي من أقدم الأشكال المستخدمة في نحت حبات المسبحة وتشكيلها، وأيضا كان من أكثرها شيوعا في بداية تصنيع المسبحة في العصور الإسلامية الأولى، وإن أصبح استخدامه محدودا حاليا.
ويعتبر الشكل الأسطواني أو المستطيل أو الفلاحي كما يسمى في بعض الأقطار العربية من أقل الأشكال استخداما في التصنيع، ويعتبر الكهرمان والعقيق من أبرز المواد الخام الصالحة للنحت بهذا الشكل.

أرقام فردية
وتتعدد كذلك أحجام وعدد حبات المسبحة تبعا للغرض الذي تستخدم فيه، وكذلك نوعية المواد الخام المستخدمة، أما عن عدد الحبات المسبحة الواحدة، ففي معظم تصميماتها وخاصة في الدول الإسلامية يتخذ من الأرقام الفردية عنوانا لعدد حبيباتها، ومن ضمنها مسبحة الـ99 حبة المستخدمة للأغراض الدينية كالتسبيح.

وأيضا هناك مسبحة الـ33 حبة، وهي الأكثر شيوعا خاصة لسهولة حملها، وأيضا مسبحة الـ45- 65 حبة، ورغم ارتباطها بأصحاب بعض الديانات الأخرى غير المسلمين، فإن هناك من المسلمين من يستخدمها توفيرا للجهد المبذول في صنع المسبحة، وتجديدا في شكلها.
 
صانع يقطع المواد الخام للمسبحة (الجزيرة نت)
وهناك مسبحة الـ22 حبة، وتنتشر في بعض دول شرق آسيا واليونان، ويستخدمها أيضا غير المسلمين، وهي تزيد أو تنقص عن هذا العدد دون معيار ثابت، وغالبا ما تستخدم كنوع من التعود أو كعادة اجتماعية وفي أغلب الأحيان يتوارثها الأجيال.

أما في وطننا العربي فقد ارتبطت المسابح غالبا في كل بلد عربي بنوع محدد، ففي الكويت والمملكة العربية السعودية تعد مسابح الكهرمان من أكثر الأنواع رواجا، وتنتشر المسابح المصنعة من اليسر الأسود والأخشاب الطبيعية في مصر والمملكة العربية السعودية والعراق.

أما السودان فتتركز فيه مسابح الأخشاب فقط، وفى لبنان تكثر مسابح الفيروز والعاج والمرجان والفضة، كما تكثر مسابح اللؤلؤ والعقيق والمرجان في بعض دول الخليج العربي.

صناعة وصعوبات
لا يظن من يحمل المسبحة، أن صنعها بالطريقة التقليدية التراثية يمر بالكثير من المراحل الصعبة، التي تستغرق ما لا يقل عن ثلاث ساعات أو أربع للحبة الواحدة، فضلا عما يستغرقه تصنيع الكركوشة من وقت إضافي.

وتستخدم العديد من الأدوات كالمخرطة وصينية القطع، والأزميل والرندة والقوس والمثقاب، وآلة السنفرة. وتتسم تلك الأدوات التقليدية بالندرة، وصعوبة الحصول عليها، حيث يتوارثها الصناع يدويا من جيل إلى آخر، وتبدأ عملية تصنيع الحبة بمرحلة الإعداد والتهذيب للمادة الخام، ثم التقطيع، فالتثقيب، يليه تنعيم الحواف والتخلص من الشوائب، وأخيرا مرحلة الزخرفة إذا رغب الصانع فيها.

الصانع يركب الخيط القطني فى القوس تمهيدا للعمل على تثقيب حبة المسبحة (الجزيرة نت)
أما الأسلوب الحديث فهو يدمج بين نوعية معينة من المعادن كالفضة وغيرها والخيوط العادية، حيث نجد في نهاية أطراف الكركوشة بعض الحلي المصنعة من الفضة وغيرها من المعادن بطريقة معينة.

وتواجه الطرق التقليدية والتراثية القديمة لصنع المسبحة خطر الانقراض، خاصة بعد ظهور الآلات والأدوات الحديثة، ولا يتعدى عدد الصناع المهرة والمحترفين على مستوى الوطن العربي أصابع اليد الواحدة، وغالبا تتوارث العائلة المهنة منذ عهود طويلة.

استخدامات متعددة
صحيح أن البدايات الأولى لاستخدام المسبحة بصورتها الحالية كانت لغرض ديني بحت، وكذلك العد والإحصاء، إلا أن استخداماتها تعددت في الوقت الراهن، بداية من الولع بنوع معين من الأحجار الكريمة والتبرك به.

واعتبرها بعض الناس رمزا للمكانة الاجتماعية أو جزءا مكملا للمظهر، بالإضافة لاستخدامها ديكورا داخل المنزل، أو اتخاذ جمع النادر منها هواية، لذلك فإن المسبحة أصبحت جزءا من تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية خاصة في دول الخليج العربي.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة