أزمة تونس درس للقادة العرب   
السبت 1432/2/10 هـ - الموافق 15/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:53 (مكة المكرمة)، 10:53 (غرينتش)

الغاضبون التونسيون أعلنوا أنهم لن يتراجعوا حتى إسقاط رئيسهم (الفرنسية)

تناولت معظم الصحف البريطانية والأميركية ما بات يسمى ثورة الغضب والياسمين التونسية بالنقد والتحليل، وبينما قال بعضها إن جيران تونس يراقبون الأوضاع بعصبية، أشارت أخرى إلى أن ما يجري في تونس يعد درسا للقادة العرب، وإلى أن الشرق الأوسط يغلي، منتقدة الموقف الفرنسي الفاتر من الأزمة برمتها.

فقد قالت صحيفة ديلي تلغراف البريطانية إن ما وصفتها بأحداث الشغب في تونس باتت تؤرق دول الجوار وإن جيران تونس يراقبون الأوضاع التونسية بعصبية وحذر، خاصة في ظل الغضب والسخط والاحتقان الذي تعانيه قطاعات الشباب في الشعوب العربية الفتية.

وأوضحت الصحيفة بالقول إن العالم شهد البارحة أول ثورة شعبية عربية تؤدي إلى سقوط ما وصفتها بدكتاتورية استبدت في البلاد منذ 23 عاما، مشيرة إلى مغادرة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي البلاد إثر ثورة شعبية عارمة وغاضبة تشهدها الساحة التونسية في مختلف أنحاء المدن والبلدات منذ أكثر من أربعة أسابيع.


وكانت الثورات ضد أنظمة الحكم في الشرق الأوسط في القرن الماضي التي اندلعت من أجل إحداث التغييرات السياسية غالبا تتم عبر الحروب والانقلابات العسكرية، فكان يتم اختفاء القادة بين ليلة وضحاها أو يتم اعتقالهم وحبسهم أو قتلهم بالرصاص.


شعوب وقادة
وأشارت إلى أن الرئيس العراقي الرحل صدام حسين أعدم شنقا، وتم تصوير عملية الإعدام عبر هاتف نقال وأن جسده تعرض للإساءة وعرض عبر شاشات التلفزة الحكومية في العراق نفسها.

الطائرة التي استقلها الرئيس التونسي في مغادرة البلاد (الفرنسية)
وأما في القرن الـ21 فإن الأمور ستكون مختلفة، حيث إن شبكة الإنترنت جعلت الشعوب قريبة من قادتها، حيث صارت مصائر القادة بأيدي الشعوب مباشرة، وليست رهينة لطموحات وأفكار الجنرالات.

وقالت الصحيفة إن الرئيس التونسي قد يكون الضحية الأولى للبرقيات السرية الاستخبارية الأميركية التي نشرها موقع ويكيليكس، والتي تصور حياة البذخ والترف والرفاهية التي تعيشها عائلة بن علي وإمبراطورية الأعمال التي تديرها وتحكم عليها السيطرة، والتي انتقلت عبر الإيميل وبشكل سريع إلى مختلف أنحاء تونس وأبناء وبنات الشعب التونسي رغم صرامة الرقابة التي تفرضها السلطات.

وأضافت أن هناك برقيات أخرى تصف تصرفات وسلوكيات قادة سياسيين آخرين، ربما تشيب لها رؤوس الولدان، وأن المتظاهرين التونسيين قدموا درسا مفاده أنه رغم ما ينتظرهم من تقتيل على أيدي السلطات، فإن على القادة أن يدركوا أنه ليس بإمكانهم الاستمرار في الحكم عبر قمع الشعوب بالقوة وبالحديد والنار.

وأشارت مرة أخرى إلى نهاية صدام حسين، معتبرة إياها درسا للقادة المستبدين، قدمه للعالم كل من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.

وفي تحليل إخباري آخر قالت ذي إندبندنت البريطانية إن تونس على الحافة، وإن الشرق الأوسط يغلي بمشاكل وأزمات مثل التي يشهدها تونس، مشيرة إلى ما وصفته بالفساد السياسي والاجتماعي والاقتصادي المستشري في بلدان عربية أخرى وصفتها بالبوليسية.

وإن سمة غالبة في الشرق الأوسط على مدار 30 سنة تتمثل في وجود أنظمة حكم في المنطقة تخشى على حكمها ونفوذها وبقائها بالسلطة فتلجأ إلى قمع شعوبها ومنع الثورات أو الانقلابات العسكرية عبر أجهزة أمنية قمعية مستبدة موالية للحكام.

الاحتجاجات التونسية تزايدت ضراوة (الفرنسية)

القادة العرب
وأضافت أن الرئيس التونسي وبعض القادة العرب الآخرين قدموا أنفسهم بوصفهم أعداء للتطرف الإسلامي، ومن هنا نالوا صبر العواصم الغربية عليهم أو أنهم حظوا برضا وتصفيق الغرب، ولكن الثورة في الشرق الأوسط جاءت نموذجا تقليديا بسبب البطالة، خاصة ضمن فئة الشباب المتعلم والمثقف تثقيفا عالي المستوى، في ظل وجود طبقة حاكمة لم تستطع إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية لبلادهم.


وقالت ذي إندبندنت إن النموذج الموازي لتونس بين الدول العربية يتمثل الآن في مصر، حيث الرئيس المصري حسني مبارك متشبث بالسلطة بيديه وأسنانه، متسائلين إذا ما كان ما وصفته بـ"الانقلاب الناعم" في تونس سيهدئ من غضب المتظاهرين والمحتجين؟ وأضافت أنه لا يبدو أن الأمر كذلك، وحتى إن إعلان حالة الطوارئ في البلاد لم تجد نفعا حتى اللحظة مع الغاضبين التونسيين.

وأضافت أن الشعب التونسي لن يهدأ رغم نقل سلطات الرئيس حسب دستور تونس إلى رئيس الوزراء التونسي أو الوزير الأول محمد الغنوشي خلفا للرئيس الذي غادر البلاد، بوصفه من المقربين للنظام، وأنه لا يلقى مصداقية لدى المحتجين أو لا يمكنه أن يهدئ من غضب الثائرين في الشوارع، وسط انتقادات في أن نقل السلطة لم يتم وفق الدستور، لأن بن علي غادر دون أن يفوض أحدا.

وقالت الصحيفة إن هناك ظروفا مشتركة بين تونس ومعظم بقية الدول العربية، أو بين التونسيين في تونس وتلك التي في الجزائر والأردن ومصر، حيث الأزمات الاقتصادية والسياسية محتقنة منذ عقود، خاصة في ظل تزايد أعداد العاطلين عن العمل من المتعلمين والمثقفين الشباب الذين لا يجدون وظائف تسد رمق عيشهم وعائلاتهم في ظل انتفاخ أوداج ما وصفتها الصحيفة بالنخبة الفاسدة التي تقف حجر عثرة أمام الجياع والعاطلين.

"
مصر بحاجة إلى رجل مثل محمد بوعزيزي"، في إشارة إلى الشاب التونسي الذي أحرق نفسه في مدينة سيدي بوزيد التونسية بعد أن سدت أمامه السبل، فأشعل الثورة الشعبية التونسية الراهنة

عبد الحليم قنديل
"
معان بالأردن
وبينما أشارت ذي إندبندنت إلى أعمال العنف في مدينة معان الأردنية وإلى احتجاجات الأردنيين ضد غلاء الأسعار في البلاد، أضافت أن طبقة مثقفة من النواب الكويتيين أيضا سبق أن تعرضوا للضرب المبرح على أيدي الشرطة القمعية.


من جانبها أوضحت نيويورك تايمز أن الثورة التونسية وصفت بأنها انتفاضة شعبية لتكشف عن أنه ليس الإسلاميون فقط هم من يمثلون المعارضة، رغم أنهم يحرضون على الثورة والاحتجاج.

وبينما أشارت الصحيفة إلى أن مدير مركز دراسات الشرق المعاصر أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة السوربون الدكتور برهان غليون عبر عن مشاعره تجاه الشعب التونسي بالقول "تحية لتونس التي فتحت الطريق أمام حرية الشعوب في العالم العربي التي طال كبحها وقمعها"، نسبت إلى أحد المنسقين السابقين لحركة كفاية المصرية عبد الحليم قنديل القول "إن مصر بحاجة إلى رجل مثل محمد بوعزيزي"، في إشارة إلى الشاب التونسي الذي أحرق نفسه في مدينة سيدي بوزيد التونسية بعد أن سدت أمامه السبل، فأشعل الثورة الشعبية التونسية الراهنة.

موقف فرنسا
من جانبها تساءلت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية بشأن ما وصفته
موقف فرنسا الفاتر مما يجري في الشارع الشعبي التونسي، وقالت إنه موقف يثير الدهشة، وأوضحت أن فرنسا سبق أن ثار غضبها مع أول شرارة انطلقت في الشارع الإيراني قبل عامين، ولكنها لم تحرك ساكنا بشأن عمليات القتل التي يتعرض لها أبناء الشعب التونسي على يد سلطات بلاده القمعية.

وقالت إن بن علي حكم تونس 23 عاما بالحديد والنار وإن تونس اشتهرت بأنها من أسوأ الدول البوليسية في الشرق الأوسط، وإن حكومته قمعت الإسلاميين لحماية المصالح الفرنسية في البلاد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة