"ملف أمينة" وسقوط الإعلام الغربي   
السبت 30/3/1437 هـ - الموافق 9/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:34 (مكة المكرمة)، 11:34 (غرينتش)

أمير العمري*

في عام 2011 ذاعت في أجهزة الإعلام الغربية قصة مثيرة غطت كثيرا على أحداث الثورة السورية التي اندلعت في مارس/آذار من العام نفسه. هذه القصة توفرت لها جميع المشهيات وعناصر الجذب المثيرة التي يبحث عنها ويجري وراءها عادة؛ صناع الصحافة والإعلام في الغرب.

القصة بدأت بعد انطلاق مدونة على شبكة الإنترنت تحمل عنوانا مثيرا هو "فتاة مثلية من سوريا"، وقد بدأت صاحبة تلك المدونة -واسمها "أمينة عراف"- تنشر الكثير عن أحداث الثورة السورية بصفة دورية، وقدمت نفسها للقراء فقالت إنها سورية قضت سنوات في الولايات المتحدة، وهي الآن في دمشق تناضل في صفوف الثورة.

كان ما لفت أنظارَ الإعلام في الغرب أن "أمينة" العربية السورية ابنة الثقافة العربية الإسلامية، قدمت نفسها بوضوح باعتبارها "مثلية الجنس" أي "شاذة" طبقا للتعبير السائد في المجتمع العربي، الذي يتكرر الحديث في الغرب عن "قمعه" للمثليين والمثليات، أو على الأقل عدم الاعتراف بوجودهم أصلا.

وكان من عوامل الجاذبية أيضا أن أمينة -حسب الصور التي نشرتها لنفسها- شابة حسناء، تناضل وتتعرض للقمع من جانب السلطات السورية، كما ستنقل هي عبر مدونتها التي نجحت في استقطاب عشرات الآلاف من القراء، وأصبحت في فترة ما، "حديث الساعة" في أجهزة الإعلام الغربية، بعد أن تضافرت كل هذه العوامل لتجعل منها "نجمة" جديرة بالمتابعة.

لفتت أمينة عراف أنظار الكثيرين والكثيرات في الغرب، كما لهثت وراءها منظمات الدفاع عن الحقوق المدنية، خاصة بعد أن كتبت تقول إن رجال الأمن التابعين للنظام البعثي القمعي في سوريا طرقوا باب بيتها يريدون اعتقالها، لولا أن والدها صاحب المبادئ الليبرالية الذي يخفي توجهاته المعارضة للنظام، دافع عنها ونجح في إقناعهم بتركها وشأنها.

لقطة من فيلم "ملف أمنية" الذي أخرجته الكندية صوفي دراسبي (الجزيرة)

غير أن "أمينة" نجحت أيضا في جذب اهتمام شابة فرنسية تقيم في مونتريال بكندا، تدعى "ساندرا باغاريا"، أقامت معها علاقة صداقة من خلال رسائل البريد الإلكتروني والدردشة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكانت ساندرا تقضي من ساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا في محادثاتها مع "أمينة"، التي سيطرت صورتها عليها تماما، كما أصبحت قصتها الشخصية باعتبارها ضحية الثقافة الذكورية السائدة في مجتمعات الشرق العربي، سببا إضافيا لكل ذلك التعاطف الذي نشأ من جانب ساندرا وغيرها معها.

ساندرا هي بطلة الفيلم الذي أخرجته المخرجة الكندية صوفي دراسبي بعنوان "ملف أمينة"، وهي تظهر في الفيلم منذ البداية، تنتقل من بلد إلى آخر، تجري مقابلات أمام الكاميرا مع كل الأطراف الداخلية والخارجية التي أتيح لها الاقتراب من شخصية "أمينة عراف" عبر الفضاء الإلكتروني.

يبدأ الفيلم بإعادة تجسيد "الشات" أو المحادثات الإلكترونية بين أمينة عراف وساندرا باغاريا.. وعبر فترة زمنية شهدت تدفق أخبار الثورة السورية السلمية، تتوطد العلاقة بين الاثنتين أكثر. تنشر أمينة على مدونتها أنها من مواليد 1975، وأنها تقدمت بطلب لعمل أطروحة في جامعة كمبريدج وما زالت تنتظر الرد، ولكنها أيضا لا يمكنها مغادرة البلاد في تلك المرحلة التي تقتضي تضافر كل الجهود من أجل إحداث التغيير المنشود في البلاد. وعندما تطلب منها ساندرا التحادث عبر "سكايب" تتهرب بدعوى أن السلطات تحظر استخدام هذا البرنامج في سوريا.

تجسد المخرجة خيالات ساندرا عن أمينة بالصور، وتستخدم لقطات مصورة بكاميرات الهاتف المحمول لمسيرات الثورة السورية وأحداثها مما كان يُبث عبر موقع "يوتيوب"، كما تعيد تجسيد شخصية أمينة، باستخدام ممثلة لا نرى وجهها بوضوح، بل نشاهدها وهي تسير في منعطفات وشوارع ضيقة تبدو كما لو كانت في أحياء دمشق القديمة، تغلفها الظلال القاتمة، تبتعد كأنها تهرب من مطارديها، وهي لقطات تغلفها موسيقى شرقية تبرز فيها آلة العود.

وتصف لنا ساندرا كيف جن جنونها ولم تدخر وسعا في البحث عن أي أثر يقود إلى معرفة ما وقع لأمينة، فاتصلت بالمنظمات الدولية وجماعات توثيق الثورة السورية، ومن هنا بدأ البحث الجاد عن شخصية "أمينة" ولكنه لم يسفر عن شيء، فهي ليست مسجلة في سجلات المفقودين أو المعتقلين، ولا يوجد أي شخص من نشطاء الثورة يتذكر أنه التقى بها!

فجأة ستنشر صحيفة ذي غارديان البريطانية مقابلة بالصور مع "أمينة" سرعان ما ستتعرف عليها شابة تعمل في إعداد البرنامج الإخباري الشهير في تلفزيون بي.بي.سي "نيوز نايت" (أو ليلة الأخبار) بعد أن تشاهد صورتها الشخصية منشورة باعتبارها صورة "أمينة".. هنا سيتضح أخيرا أن أمينة مجرد شخصية وهمية لا وجود لها. وفي الفيلم مقطع من مقابلة أجراها المذيع البريطاني الشهير جيريمي باكسمان مع جيلينا ليشيك صاحبة الصورة التي نشرتها ذي غارديان باعتبارها صورة أمينة عراف!

ساندرا لعبت دور البطولة
في فيلم "ملف أمينة"
 (الجزيرة)
كشف الخدعة
البحث سيقود إلى أن المدونة التي تدعي أنها شابة "مثلية من سوريا" هي في الواقع من اختلاق رجل في الأربعين من عمره يدعى "توماس ماك ماستر"، أميركي متزوج يقيم في ولاية فيرجينيا، تتوصل إليه المخرجة وتجعل ساندرا تخاطبه عبر برنامج سكايب، ثم سيظهر قرب نهاية الفيلم في مواجهة مباشرة في حديقة منزله مع ساندرا.

الرجل يكرر اعتذاره، مدعيا أنه أراد لفت الأنظار إلى ما يجري في سوريا، واختار هذه القصة الساخنة لجذب أنظار أكبر عدد من القراء، خاصة أنه كان متعاطفا كثيرا مع الثورات التي شهدتها بلدان الشرق الأوسط في تلك الفترة.

وتمزج المخرجة الموسيقى الشرقية أحيانا بنغمات موسيقى القرب الأسكتلندية الشهيرة، خاصة عند التطرق إلى أدنبره وكيف كانت أمينة ترغب في الدراسة بجامعتها، وما قاد إليه البحث من أن ماك ماستر الذي يقف وراء صنع تلك الشخصية الوهمية، كان قد قضى فترة في المدينة، وكيف استلهم من حياته الشخصية الكثير من التفاصيل أضفاها على قصة عن "أمينة"، لصبغها بالمصداقية.

ينطلق الفيلم من الاهتمام بالثورة السورية وما يحدث في سوريا منذ سنوات، وبقصة "أمينة" في إطار الثورة، مع طرح الكثير من التساؤلات عما إذا كان ماك ماستر قد خدم الثورة بقصته المفبركة هذه أم أساء إليها، لنصل في النصف الثاني من الفيلم إلى القضية الأخلاقية بشأن ما إن كان ماك ماستر قد مارس الخداع ضد من ارتبطوا بشخصية أمينة، وأولهم بالطبع ساندرا التي أصبحت "الضحية الأولى".

كما يصل الفيلم في القسم الأخير منه قبل النهاية مباشرة إلى ذروة التعبير الميلودرامي المليء بالمبالغات العاطفية، بحيث تتلاشى تماما أهمية ما سبق أن طرحه الفيلم حول الضرر الذي تسبب فيه الرجل بهذه القصة المختلقة، بعد أن طغت لمدة أسبوع في أجهزة الإعلام، على أحداث الثورة السورية وما كان يجري فيها من مجازر!

ويتوقف الفيلم طويلا من خلال البحث في وجهات النظر المختلفة، أمام شخصية ماك ماستر نفسه: هل كان غرضه إيجابيا عندما اخترع هذه القصة؟ هل كان يعرف أن هناك من سيقع ضحية لاحتياله وكذبه؟ هل يشعر بالذنب جراء ذلك؟ وهل هو نادم؟ وهل يمكنه أن يكرر فعلته؟ وكيف تجرأ وأخبر زوجته بما كان يفعله؟ وكيف صمتت الزوجة على ذلك، خاصة أنها رفضت الظهور في الفيلم.

يوجه الفيلم نقدا لاذعا إلى الإعلام الغربي بسخفه وسطحيته في تركيزه على تلك القصة ووقوعه ضحية لها، مما دفع عملاء النظام السوري إلى اتهام "الموساد" بالوقوف وراءها، إلا أنه يتجه فيما بعد ليصبح فيلما عن سلبيات عصر التخاطب الإلكتروني والإنترنت، وكيف يمكن أن نصبح ضحية للتقنية الحديثة التي سهّلت فعلا تدفق المعلومات، لكنها يمكن أن تنحرف بالمعلومات وتشوهها، بل وتخترع معلومات مزيفة أيضا تساهم في التضليل بدلا من التنوير.
____________
* كاتب وناقد سينمائي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة