إبراهيم أبو سنة: علينا انتظار تجربة الإسلاميين   
السبت 1433/9/3 هـ - الموافق 21/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:30 (مكة المكرمة)، 11:30 (غرينتش)
أبو سنة: حصولي على الجائزة التقديرية يعد تتويجا رمزيا للجهود التي بذلتها من أجل الشعر (الجزيرة)
بدر محمد بدر-القاهرة
 
استطاع الشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة طوال عقود أن يحافظ على نفـَسه الشعري الذي يتميز بقدر كبير من الفرح والحب، في قصائد يسود معظمَها الغضبُ والتمردُ, وأن يبني كينونته الشعرية التي كرسته كأحد رموز تيار الشعر الحديث من جيل ستينيات القرن الماضي.

الشاعر صاحب اللغة الرومانسية الشفيفة والبعد الاستشرافي الذي تجسد في قصيدته "نحن غزاة مدينتنا"، التي كتبها قبل هزيمة 1967، حصل مؤخرا على جائزة الدولة التقديرية في الشعر، وهي تعد تكريما لتجربته الشعرية، كما يراها بعض النقاد، انحيازا لمبدأ القيمة والإبداع الحقيقي لأبناء هذا الجيل، مع حصول الروائييْن إبراهيم أصلان ومحمد البساطي من الجيل نفسه على جوائز مماثلة.

الجزيرة نت التقت الشاعر أبو سنة فكان الحوار التالي:

بالنسبة لك، ماذا يمثل فوزك بجائزة الدولة التقديرية لعام 2012؟

جيل الستينيات هو الذي رسخ حركة الشعر الحديث، وتميز بتقديم مواهب بارزة، رغم أن الواقع الثقافي كان يحفل بسطوع أسماء الرواد، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي

- بالتأكيد هو حدث في غاية الأهمية، يأتي بعد رحلة طويلة استمرت أكثر من 50 عاما، ولا شك أنها تعد تتويجا رمزيا لهذه الجهود التي بذلتها من أجل الشعر. طبعا أصابتني بقدر كبير من الرضا والطمأنينة والفرح والأمل أيضا، وفتحت نافذة على القلب تدفقت فيها عشرات الكلمات التي وصلتني، فكانت هذه الجائزة مناسبة لاحتفالي الإنساني بالشعر أولا، وبتجديد صلتي بالأصدقاء الذين غاب بعضهم طويلا عني، وشكرا للجائزة والدولة التي منحتني إياها، وأشكر كل من مد يد العون لي خلال رحلتي الطويلة.

متى تبلورت تجربتك الشعرية، وكيف؟

- بدأت تجربتي الشعرية متنوعة ومختلفة، حين أحسست بحبي للغة الشعر على وجه التحديد، بدأت أحاول الكتابة في مرحلة مبكرة من عمري، ربما في سن الـ15 عاما، متأثرا بقراءاتي لعمالقة الشعر العربي؛ مثل أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وغيرهم.

ثم تعرفت لاحقا على مدرسة الشعر الحديث، وعلى رابطة الأدب الحديث، حيث وجدت تجمعا أدبيا متميزا له سمات جديدة هي سمات الحداثة، وقد شجعني استقبال مصطفى عبد اللطيف السحرتي لي عام 1959، عندما كتبت قصيدة "بعض الوقت يا مستر دالاس"،  ومثل دفعة لي، فانخرطت مع أبناء جيلي من شعراء الستينيات في حالة من الإبداع، الذي يقترب من النبض القومي والسياسي والاجتماعي والفكري والثقافي، في تلك الحقبة -حيث كان صوت جمال عبد الناصر ملهما لنا، ومشروعه يتغلغل في وجداننا- كنت متأثرا بالواقع الثوري الذي تفتح وجداني عليه.

ماذا يمثل لك جيل الستينيات الذي تنتمي إليه، وكيف ترى التجربة الشعرية لهذا الجيل،  ومميزاتها؟

- هذا الجيل هو الذي رسخ حركة الشعر الحديث، وتميز بتقديم مواهب بارزة، ورغم أن الواقع الثقافي كان يحفل بأسماء الرواد، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، فإن هذا الجيل الجديد استطاع أن يبرز ملامحه ويبدع قصائده، ويؤكد من جديد حيوية الموهبة وتفردها، خصوصا أن الستينيات كانت عقدا مزدحما بالأحداث الكبرى على المستوى السياسي والقومي، وتميز بالانفتاح الثقافي والصلات القوية مع مراكز الترجمة والثقافة الأوروبية، وكانت هناك أصداء قوية للأدب الواقعي والوجودي، وترجمات هائلة في مجال الإبداع المسرحي والإبداع الشعري.

ثورة 1952 هي التي ألهمتنا، وتكونا ثقافيا في ظلالها، وتشبعنا برؤاها ومبادئها وقضاياها ومشاكلها، ولا شك أنها فتحت الطريق أمام أجيال جديدة من المبدعين، ووفرت لهم مصادر ثقافية جديدة لم تكن موجودة من قبل

وفي واقع الأمر، فإن جيل الستينيات استطاع ترسيخ حركة الشعر الحديث، وأسس لمرحلة جديدة تمثلت في مجموعة من التجارب الشعرية التي تدل على أصحابها، وكانت هناك تجارب جديدة تتواصل مع جيل الرواد، ولكنها أيضا تتميز بفرديتها وذاتيتها، وقدرتها على الوصول لمساحة أوسع من القراء، سواء في داخل مصر أو الوطن العربي. 


ما الذي مثلته الثورة لك باعتبارك من أبناء جيل الستينيات، وما هي تجربتك بين ثورتين (يوليو 52 و25 يناير)؟

- ثورة 1952 هي التي ألهمتنا، وتكونا ثقافيا في ظلالها، وتشبعنا برؤاها ومبادئها وقضاياها ومشاكلها، ولا شك أنها فتحت الطريق أمام أجيال جديدة من المبدعين، ووفرت لهم مصادر ثقافية جديدة لم تكن موجودة من قبل، وأزالت كثيرا من الحواجز والحدود بين الثقافة المصرية والمحيط العربي من ناحية، وبين الثقافة المصرية والمحيط العالمي من ناحية أخرى، فقد تشكل وجداننا في ظل هذه الثورة، التي كانت تطرح قضية الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية والحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية.

كل هذه القيم تشبعنا بها، ولكننا استطعنا أيضا أن نلتفت لكل عناصر التجربة الناصرية في زماننا، وكان الانكسار الكبير في نكسة 67، التي مثلت تحولا هائلا في المسار السياسي والثقافي والإبداعي.
من المؤكد أننا مدينون لثورة يوليو 1952، ولكننا لم نعد أسرى أو سجناء هذه الثورة، تحررنا لأننا كنا في أشعارنا نتغنى بالحرية، باعتبارها القيمة الأولى في الإبداع وفي الحياة.

ثورة يوليو تختلف بالطبع عن ثورة يناير، فالأولى كانت تجسيدا لمجموعة من الأفكار والاختيارات والرؤى، التي اختمرت في الأربعينيات، ثم بزغت في الخمسينيات، وتفتحت في الستينيات، وانكسرت في منتصف الستينيات. أما ثورة 25 يناير فهي احتجاج واسع وعميق على مظالم رأيناها وعاشها الشعب المصري، لكن هذه الثورة ما زالت في مرحلة التبلور، ولا توجد أفكار كبرى وراءها أو مفكرون كبار، يمكن أن تلهم المبدعين، لكني شخصيا متفائل لأن المصدر الأول للإبداع هو الواقع، وهو غني وثري وممتلئ بكل الاحتمالات.

ما هي أهم دواوينك الشعرية التي مثلت علامات فارقة في مسيرتك الأدبية؟

- ديواني الأول "قلبي وغازلة الثوب الأزرق" كان المحطة الأولى، ويضم المرحلة الأولى بزخمها وعفويتها وعافيتها أيضا، حيث كنت مشحونا بالأحاسيس القوية العميقة، وكنت نهما للقراءة والتطلع للثقافة العالمية، وأعتبره من أهم دواويني على الإطلاق، لأنه يحتوي عناصر رمزية وجمالية، دفعت النقاد إلى نوع من الاعتراف بشاعريتي.

أيضا ديوان "حديقة الشتاء" يتمثل فيه إحساسي بالصدمة التي وقعت بعد نكسة 67، ومن أهم الدواوين أيضا "تأملات في المدن الحجرية" صدر في السبعينيات، ولفت الأنظار إليه الكاتب لويس عوض في مقاله بجريدة الأهرام، وديوان "البحر موعدنا" الذي نلت بسببه جائزة الدولة التشجيعية عام 84، وديوان "رماد الأسئلة الخضراء" وحصلت به على جائزة كفافيس، وديوان "رقصات نيلية" حصلت به على جائزة أندلسية، وهناك دواوين "ورد الفصول الأخيرة" و"شجر الكلام" و"موسيقى الأحلام"، وكل ديوان يمثل مرحلة فنية وموضوعية وإنسانية.

كيف ترى واقع الشعر في مصر الآن، والمشهد الثقافي المصري عموما؟

الشعر في مصر مزدهر ومفعم بالكثير من التجارب، ويزخر بأجيال جديدة متدفقة، في الإبداع والأشكال والأساليب الجديدة
- الشعر في مصر مزدهر ومفعم بالكثير من التجارب، ويزخر بأجيال جديدة متدفقة، في الإبداع والأشكال والأساليب الجديدة، وأعتقد أننا في بداية مرحلة شعرية متوهجة، تضم عددا كبيرا من المواهب، وعادة الشاعر مشروع يحتاج إلى زمن لكي يتبلور ويكتمل، وهناك مواهب حقيقية في هذا الجيل، وتنوع رائع في كتابة القصيدة العمودية والتفعيلة والنثر، وإن كانت قصيدة النثر انتشرت بصورة كاسحة في الفترة الأخيرة.

ولكن القضية هي كيفية وصول هذا الإبداع إلى الرأي العام وإلى القارئ، بينما نجد أجهزة الإعلام عازفة أو غير مكترثة بهذا الإبداع والاهتمام بتقديمه، هذه هي المشكلة. أيضا الأجيال الجديدة من الشباب ينصرفون عن الكتب، مكتفين بالوسائل التكنولوجية الحديثة، التي صرفتهم عن التواصل مع حركة الشعر والإبداع الثقافي.

 وعلى الصعيد العربي، كيف ترى التحديات التي تواجه الساحة الثقافية؟

- من أهم التحديات: القطيعة، فلم يعد هناك تواصل بين المبدعين العرب، بسبب اختفاء المنابر القومية الثقافية، واختفاء المناسبات الكبرى التي تجمع الشعراء، هناك قطيعة قائمة بين أجنحة الثقافة العربية الآن، وهناك أسئلة كثيرة تطرحها الثقافة على نفسها وعلى السلطة، منها علاقة السلطة بالإبداع، حرية التفكير والاعتقاد، وهي أسئلة مطروحة بقوة الآن، أيضا دور المثقف في هذه المرحلة، كذلك قضية أجهزة الإعلام التي انصرفت تماما عن الثقافة واهتمت بالشأن السياسي، وهذا قد يكون منطقيا، ولكن لابد من الاهتمام بالثقافة، لأنها هي حصن الأفكار الأساسية حيث تغذي وتطور الأمم.

كيف تنظر إلى صعود الإسلاميين للحكم في مصر بعد الثورة؟

- لست متشائما ولا متفائلا، ولا أعرف حتى الآن ما هو سلوكهم وموقفهم تجاه حرية الإبداع، ولا أستطيع تبني موقف محدد الآن، لكني أنتظر فقط ما سوف تسفر عنه التجربة في هذه المرحلة، وبعدها أحدد موقفي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة