البدون في الكويت "قنبلة موقوتة"   
السبت 1433/11/20 هـ - الموافق 6/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:26 (مكة المكرمة)، 15:26 (غرينتش)
تتلخص شكاوى البدون في الحرمان من حق المواطنة والهوية المدنية وحق التنقل (الفرنسية)

عبد الله كابد-الكويت

مرت قصة "البدون" في الكويت بفصول ومراحل عدة، وقد يكون التراخي الحكومي -كما يرى مراقبون- السبب الأبرز في تشابك خيوط هذه المأساة الإنسانية. ويعرف البدون بهذا الاسم نسبة لكونهم "بدون جنسية" أي إنهم عديمو الجنسية، أما التسمية القانونية لهم فهي مقيم بصورة غير شرعية.

تمتع البدون بالمساواة مع الكويتيين خلال سبعينيات القرن العشرين، أما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990 فقد تم التضييق عليهم لإبراز أوراقهم الثبوتية, ويلاحظ في الآونة الأخيرة أنه ظهر انقسام في المجتمع الكويتي بشأن القضية من حيث التعاطف بعد أحداث الحرق والتكسير التي نالت الممتلكات العامة للدولة حسب رأى بعض المواطنين.

ففي ذكرى يوم "اللاعنف العالمي" الأسبوع الماضي، خرج العشرات من البدون في الكويت للمطالبة بما يسمونها حقوقهم التي يتهمون الحكومة الكويتية بالمماطلة والتسويف بتحقيقها. وشهد الاعتصام تواجداً أمنياً كبيراً وحضور عدد من جمعيات النفع العام المحلية المهتمة بحقوق الإنسان.

ورفع المتظاهرون لافتات تطالب بتجنيسهم إلى جانب علم الكويت وصور الأمير وولي العهد مرددين النشيد الوطني الكويتي، وهاتفين "حرية.. حرية"، بينما قام آخرون بترديد هتافات متشددة.

ولكن سرعان ما انحرف الاعتصام عن مساره بعد احتكاك مع رجال الأمن, تسبب بجرح عدد من المتظاهرين واعتقال عدد منهم حيث سجلت قضايا بحقهم في أقسام شرطة مدينة الجهراء وهي المدينة التي تحتضن أكبر عدد من البدون, كما أصيب في المواجهات رجال أمن.

يقول البدون إن بعض النواب والسياسيين لا يلتفتون إلى معانتهم (الفرنسية)

الحقوق والحرمان
وتتلخص شكاوى البدون في الحرمان من حق المواطنة (الجنسية) والهوية المدنية وحق التنقل بين البلدان بجواز السفر، وهم يشكون من الحرمان من الدراسة الجامعية وحق العمل وملكية البيوت والأراضي ومطالبات قد تتوفر للأجانب بينما لا تتوفر للبدون.

ومرت مشكلة البدون بمراحل ومتغيرات وفق إحصائيات رسمية بين عامي 1990-2010، حيث إنه وعلى مدى عشرين عاما طرأت تغيرات على أعداد البدون في الكويت, فتقلصت أعدادهم على نحو واضح، فبعد أن كان عددهم عام 1990 (220 ألف) فرد، تراجع عددهم في سنة 2010 إلى (108 آلاف) فرد.

وبالمقارنة بين نسبة أعداد البدون إلى المواطنين الكويتيين، ففي سنة 1990 بلغت نسبة المقيمين بصورة غير قانونية 39,2% مقارنة بمجموع المواطنين الكويتيين، لكن هذه النسبة تراجعت إلى 9 % في إحصاء 2010.

ولعل حادثة الغزو العراقي للكويت 1990 وتداعياتها, أثرتا في مسألة تقليص أعداد هذه الفئة, بالإضافة إلى جهود اللجان الحكومية التي أنشئت ابتدأ من 1993 بإنشاء اللجنة المركزية لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، وما تلاها من إنشاء اللجنة التنفيذية عام 1996.

انتقادات حقوقية
وتتعرض الكويت إلى انتقادات من منظمات دولية حقوقية بسبب هذا الملف الذي طالت معالجته، وهو ما يسبب لها إحراجا في المحافل العالمية.

وقد وجهت منظمات دولية رسائل مناشدة لأمير الدولة تطالبه بسرعة حل هذا الملف الشائك من خلال تجنيس من اعترفت الدولة بحقهم ومشروعية استحقاقهم للتجنيس ومنح الحقوق المدنية والقانونية للبقية.

ويرى أحد الأطباء البدون -الذي رفض ذكر اسمه- أن التحرك الأخير للبدون انطلق من ثلاثة أسباب وهي شروع الحكومة بتوزيع البطاقات الملونة على البدون، الأمر الذي اعتبره الكثير استفزازا لهم, بالإضافة إلى المشكلة في قبول الطلبة والمعلمين البدون, والثالث وهو الأهم تزامن المظاهرات مع مناشدات المنظمات الإنسانية كهيومن رايتس ووتش ومنظمة اللاجئين الدولية لأمير الكويت بتعديل أوضاع البدون وحل مشكلتهم.

منظمات دولية تنتقد حكومة الكويت بسبب طريقة تعاملها مع فئة البدون (رويترز-أرشيف)

وانتقد الطبيب المنظمات والنقابات المعنية بحقوق الإنسان في الكويت واصفا إياها بالنخبوية واتهمها بالتواطؤ مع الحكومة, بل زاد بأنهم لا يعرفون مكان "تيماء" على الخارطة، وهي المدينة التي تنطلق منها الاعتصامات.

اهتمام برلماني
أما على الصعيد البرلماني فنجد أن الاهتمام بقضية البدون ينطلق من أبعاد اجتماعية أكثر منها إنسانية, فنجد نواب ما يسمى "المناطق الخارجية" أكثر اهتماما بالدفاع عن القضية وذلك لصلات القربى بينهم وبين تلك الفئة, الأمر الذي لا يوجد في المناطق الداخلية "الحضرية". إضافة إلى تعاطف نواب الطائفة الشيعية حيث يتواجد عدد كبير من البدون الشيعة.

وقد أعلن عدد من نواب مجلس الأمة الكويتي في وقت سابق تدويل قضية البدون، وذلك من خلال عقد مؤتمرات وندوات لتحميل الحكومة مسؤولية تفاقم المشكلة ووقف تجنيس المستحقين من هذه الشريحة. وذلك حرصا على سمعة دولة الكويت أمام المنظمات والمحافل الدولية على حد زعمهم.

وعلى المستوى الحكومي فقد أعلنت الحكومة عن تقديمها عددا من المزايا والخدمات والتسهيلات كالتعليم والصحة المجانيين وإصدار شهادتي الميلاد والوفاة وعقود الزواج والطلاق وحق العمل لأصحاب الشهادات وصرف البطاقة التموينية -التي تصرف للكويتيين- لـ88 ألفا من البدون. بالإضافة إلى التنسيق مع بيت الزكاة لتقديم خدمات ومساعدات مالية إلى أبناء هذه الفئة.

"أساليب قمعية"
وفي وقت سابق، أعلن رئيس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية صالح الفضالة أن عدد المستحقين الذين سوف يتم تجنيسهم حوالي 34 ألف مستحق, في الوقت الذي يوجد ما يقارب الـ67 ألف شخص من فئة البدون يملكون جنسيات وجوازات دول أخرى.

واعتمد الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية ألوانا خاصة للبطاقات الأمنية الخاصة بهذه الفئة. ومن المقرر أن يكون لكل لون ميزة تميزه عن بقية الألوان.

ولون البطاقة سيتم تحديده على ضوء ملف صاحبها وما يحتويه هذا الملف من إحصاء عام 1965 وصلة القرابة بالكويتيين من الدرجة الأولى وغيرها من المميزات.

يأتي ذلك في الوقت التي استنكرت فيه عضو مجموعة 29 الدكتورة ابتهال الخطيب أن نظام البطاقة الملونة لفئة غير محددي الجنسية هو نظام عنصري قديم، وتصنيف الناس بالألوان "أساليب قمعية قديمة وليست أساليب قمعية جديدة، وهي مؤذية جدا وتتنافى مع كل مبادئ حقوق الإنسان بأن نصنف الأشخاص بالألوان".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة