الكتابة الساخرة في الجزائر.. غائبة أم مغيبة؟   
الأربعاء 1/9/1436 هـ - الموافق 17/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:55 (مكة المكرمة)، 11:55 (غرينتش)

الخير شوار-الجزائر

كان يمكن أن تساهم الثورة الرقمية الجديدة في الدفع بالكتابة الساخرة في الجزائر إلى الأمام، بعد أن شهدت تطورا ملفتا أعقبه تراجع، عقب إقرار التعددية السياسية وظهور الصحافة المستقلة في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

غير أن هذا اللون من الكتابة بقي يراوح مكانه، رغم الرصيد التاريخي الكبير في هذا المجال، حيث إن ما اعتبر أول عمل روائي في تاريخ الإنسانية -وهو "الحمار الذهبي"- كتبه لوكيوس أبوليوس ابن منطقة الجزائر  في القرن الثاني للميلاد، وهو من الأدب العالمي الساخر.

بين الأدبي والسياسي
الكاتب الصحفي سعيد بن زرقة، واحد من أهم الأدباء الساخرين في الجزائر، وصدرت له مجموعة من الكتب في هذا المجال آخرها مجموعته القصصية "قلة أدب" عن منشورات فيسيرا، وهو يؤكد أن "السخرية في الجزائر مغيبة بشكل لافت".

كمال قرور: الساخر يصنع من لغته خطابا يحطم به أنف القوى المستبدة (الجزيرة)

ويضيف بن زرقة في تصريح خاص بالجزيرة نت، أنه "لا أثر لها في القنوات ولا في الصحافة المكتوبة ولا هي موجودة في المسارح، وأن أغلب ما نطلع عليه ونشاهده هو عبارة عن أخبار سوداوية ومشاهد درامية، فالساخر إن لم تكن له نظرية أو رؤية فهو مهرج".

ورغم إقراره بأن الجزائر أنجبت كتّابا ساخرين مهمين، فإن المتحدث يرى أن "السخرية لا تنتعش إلا في جو من الحرية وفي مجتمع ديمقراطي ووسط شعب يقبل النقد"، وهي "شروط غير متوفرة"، يضيف بن زرقة.

وتبدو رؤية الروائي والكاتب الساخر كمال قرور أقل سوداوية لواقع هذا النوع من الكتاب، فهو يرى -حسب ما أكده للجزيرة نت- أن "الكاتب الساخر قد يكون مزودا بحاسة أخرى لا يملكها بقية الكتّاب، تشبه قرون الاستشعار، وتجعله أكثر من غيره مستشعرا للخطر المحدق بالمجتمع، لذلك نجده ساخطا بطبعه ورافضا للواقع والسائد، ومن أشرس مقاومي الاستبداد، وهو لذلك يصنع من لغته خطابا هزليا كاريكاتوريا ليحطم به أنف القوة المستبدة المكبلة لحرية الإنسان".

الطريق إلى السجن
وشهدت بداية تسعينيات القرن الماضي قفزة كبيرة للكتابة الساخرة بظهور مجموعة من الصحف، لعل أشهرها جريدة "الصح آفة" التي حققت انتشارا واسعا، وكانت ترفض نشر الإعلانات التجارية مكتفية بعائدات مبيعاتها.

محمد زتيلي: كتاباتي الساخرة قادتني إلى السجن (الجزيرة)

وطال انتقاد "الصح آفة" أعلى هرم السلطة آنذاك، لكن السلطات أوقفتها بعد إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، مثلما اشتهرت صحيفة "المنشار" باللغة الفرنسية التي اختفت بعد ذلك.

وفي ذلك الجو الصعب الذي عاشته الجزائر، حاول الروائي الراحل مصطفى نطور رفقة صديقه الروائي محمد زتيلي كسر حاجز الخوف، فأسسا منتصف تسعينيات القرن الماضي أسبوعية بعنوان "مسمار".

ويستعيد محمد زتيلي تلك المرحلة وقبلها مع بداية تأزم الوضع في الجزائر منتصف الثمانينيات مع انهيار أسعار النفط آنذاك، ويقول "في هذا الوقت وجدت نفسي أسترجع حمار توفيق الحكيم وأحمد رضا حوحو، ليكون وسيلتي للتعبير عن تناقضات عميقة لوضع لا يمكن التعبير عنه سوى بالسخرية منه وعليه".

ويضيف زتيلي للجزيرة نت "قبل هذا كنت قد كتبت بعض النصوص الساخرة ونشرت كتابي الثاني بعد كتاب: عودة حمار الحكيم، ويحمل عنوان: اللصوص المحترمون، ويتضمن مواقفي مما جرى بأسلوب ساخر ما كنت لأقدر على التعبير عنها بغير ذلك الأسلوب".

ويكشف زتيلي قائلا "لقد قادتني كتاباتي الإعلامية الساخرة في جريدتي "مسمار" إلى السجن، لأن المرحلة التي مرت بها الجزائر لا تحتمل السخرية، فهو أسلوب صعب للكتابة وصعب للتقبل رغم حب القراء والناس له".  

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة