الشبيحة.. من عصابات التهريب إلى العسكرة   
الجمعة 1434/11/2 هـ - الموافق 6/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 1:32 (مكة المكرمة)، 22:32 (غرينتش)
 
صورة لأحد عناصر الشبيحة السوريين نشرتها صحيفة صنداي تلغراف البريطانية

أحمد دعدوش

يتردد مصطلح الشبيحة في وسائل الإعلام العربية والدولية منذ اندلاع الثورة السورية في مارس/آذار 2011، وبالرغم من الغموض الذي يكتنف هذا المصطلح من حيث الأصل والدلالة والمعنى فقد دخل معاجم التداول الإعلامي والشعبي في دول عربية عدة، كما تطور في وظيفته من الدلالة على العصابات التي تمارس نشاطها خارج القانون وتحت نظر السلطات أو بتشجيع منها إلى "فرق الموت" التي تقمع المعارضين والثوار بوسائل العنف.

ويتداول السوريون بلهجتهم الدارجة كلمة الشبيحة منذ عقود للدلالة على عصابات تنتمي في الغالب للطائفة العلوية وترتبط بشخصيات نافذة في أجهزة الأمن والدولة.

ويقال إن أصل التسمية يعود إلى أن ممتهن التشبيح يظهر كالشبح لضحاياه، كما يقول آخرون إنه مشتق من "الشبْح" وهو أحد أساليب التعذيب القائم على تعليق الشخص من يديه وضربه، بينما تعيد أقاويل أخرى أصله إلى نوع من سيارات مرسيدس كانت تلقب بالشبح، بحيث درجت هذه العصابات على تصيد أصحاب هذه السيارات ومصادرتها أو سرقتها منهم.

النشأة والتاريخ
وقد يصعب على الباحث تعقب أصل هذه العصابات في ظل السرية والقمع المفروض حولها، وربما يعيد سلوك أفرادها وخلفيتها الطائفية الذهن إلى جماعات الحشاشين التي نشطت في أواخر القرن الحادي عشر، والتي شكلت في أوج نفوذها هاجسا للكثير من القادة العسكريين والسياسيين في العالم الإسلامي.

ويرى البعض أن بداية ظهور هذه العصابات في منتصف السبعينيات تزامن مع تضييق فرص الاستيراد في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد مما شجع على توسع حركة تهريب البضائع عبر الحدود مع تركيا ولبنان والموانئ البحرية، وأن عددا من أفراد عائلة الأسد وعوائل أخرى مقربة كانوا هم الداعمين الأساسيين لهذه العصابات التي تعمل دون محاسبة أو رقابة، كما يقال إن نشاطها اتسع ليشمل تهريب المخدرات والعمل في أنشطة محظورة أخرى.

وفي منتصف التسعينيات، تناقل السوريون أنباء عن حملة شنها باسل الأسد، الابن الأكبر للرئيس الراحل، ضد الشبيحة لتقليص نفوذهم، وتدور التأويلات حول سعي باسل بموافقة والده إلى الحد من نفوذ بعض الأجنحة في العائلة والأقارب خشية تطلعهم للسلطة، فضلا عن الرغبة في امتصاص الغضب الشعبي المتزايد تجاه تلك العصابات التي تحتمي باسم الأسد والمقربين منه.

قمع الثورة
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تولى أفراد هذه العصابات، وفقا لروايات ناشطين، مهمة قمع المظاهرات ومساندة قوات الأمن والجيش في حملات الاعتقال والتعذيب وإقامة الحواجز الأمنية للتفتيش.

لكن امتداد أمد الثورة واتساع نطاقها في كل المحافظات دفع بالنظام إلى تشكيل "لجان شعبية" بتسليح عناصر مدنيين في الأحياء الموالية له، وذلك بهدف حماية تلك الأحياء من الثوار وفقا للرواية المعلنة، لكن الناشطين يتحدثون عن ممارسات تماثل سلوك الشبيحة على يد هؤلاء العناصر الذين يتلقون تدريبهم وسلاحهم من تشكيلات نظامية.

وتقول وكالة مسار برس في تقرير لها إن الجرائم الكثيرة التي ارتكبها الشبيحة دفعت النظام إلى إدراجهم في مؤسسة تحظى بالشرعية تحت مسمى اللجان الشعبية، وأن التسمية تم تعديلها لاحقا إلى "جيش الدفاع الوطني".

وتضيف أن عدد المنتسبين إلى الجماعات يصل إلى عشرات الآلاف، وأنهم يتلقون تدريبا على الأسلحة الخفيفة لمدة 15 يوما على أيدي ضباط متقاعدين، ثم يخيرون بين العودة إلى مناطقهم وحمايتها أو الالتحاق بدورة متقدمة على أسلحة ثقيلة.

ويشترط في المنتسب لجيش الدفاع الوطني أن يكون قد أدى الخدمة العسكرية الإلزامية، وأن يتراوح عمره بين عشرين وأربعين عاما، وألا يكون موظفا في القطاع الحكومي، كما ينبغي أن يكون من أبناء المنطقة التي سيعمل بها لكونه أكثر معرفة بجغرافيا المنطقة وسكانها.

مهام مساندة
وتبرز أهمية هذه العناصر في قتال الشوارع والمداهمات داخل المدن والقرى، بينما تبقى قوات الجيش محصنة في ثكناتها وحواجزها، كما يشير الناشطون بأصابع الاتهام للشبيحة في مجازر بانياس والبيضا والتريمسة والحولة التي ذهب ضحيتها المئات من الأطفال والمدنيين ذبحا بالسكاكين، ويؤكدون أن مرتكبي هذه المجازر قدموا من القرى العلوية المجاورة لهذه المناطق.

أما في المناطق الشرقية التي تخلو من السكان العلويين، فتتشكل كتائب الدفاع الوطني مما يسميهم الناشطون بالمرتزقة الذين يتبعون لرئيس فرع أمن الدولة كما هو الحال في محافظة دير الزور وفقا لوكالة مسار، ويفتقر هؤلاء المسلحون للحماسة التي تغذيها بطبيعة الحال الدوافع الطائفية.

ويؤكد ناشطون أن عناصر الدفاع الوطني يعمدون إلى إثارة النزاعات العرقية في منطقة الحسكة من خلال الهجوم المتكرر على القوات الكردية المسيطرة هناك بهدف اتهام الثوار بها.     

وفي هذا السياق يقول مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما جوشوا لانديس إن الذهنية السائدة داخل النظام تقول بوجوب عدم الوثوق من حيث المبدأ إلا بأبناء الطائفة العلوية التي تسيطر على البلاد منذ أكثر من أربعين سنة، إلا أن هؤلاء "الجنود الاحتياطيين" يأتون من كل الطوائف لتنفيذ مهام معينة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة