المثقفون والحتمية الوهمية   
الأحد 1432/8/3 هـ - الموافق 3/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 20:29 (مكة المكرمة)، 17:29 (غرينتش)


يوسف ضمرة

اكتشفنا في هذه المرحلة من تاريخنا، أننا أمة تزخر بالمثقفين والمحللين والخبراء الإستراتيجيين. واكتشفنا أيضا أن فهم الثورات بسيط وعادي وأسهل من جدول الضرب. فأنت لا تحتاج إلاّ مشهدا واحدا كالمشهد المصري أو التونسي، كي تملأ نفسك باليقين والحتمية التاريخية.

تبدو المسألة مجرد رأي، تزينه شعارات ثورية، ومواقف لا تخلو من كونها شهادات حسن سلوك نضالي. ويتخذ الأمر شكل قراءة ظاهرة متعينة في الواقع الموضوعي، من دون أي محاولة لاستقصاء ما وراء الظاهرة، أو قراءة التفاعلات الأولية التي وقفت وراء نشوئها.

ولأننا لا نزال متلقين ومتأثرين أكثر من كوننا مرسلين وفاعلين ومؤثرين، فإنه ينطبق علينا ما قاله المفكر البريطاني "جون ر. سيرل" في كتابه "العقل" الصادر بالعربية عن دار المعرفة، وهو: "من أسوأ الأشياء التي يمكن القيام بها هو أن توحي للقراء أنهم يفهمون شيئا بينما في الواقع لا يفهمونه. وأنّ شيئا تم تفسيره، بينما في الواقع لم يُفسر. وأنّ مشكلة حُلت، بينما في الواقع لم تُحل".

أين كنا جميعا قبل انفجار هذه الثورات؟ ولماذا كان المثقفون، "الغالبية منهم"، يستسلمون لهذه الأنظمة كالاستسلام للقدر الإغريقي؟ ولماذا لم يخطر في بال أحد منهم أن للشعوب المقهورة يومها وساعتها وقيامتها، إذا كان كل ما يحدث فعلا ثوريا حقا؟
هذا يعني أن هنالك ثلاث ركائز أساسية في الفقرة أعلاه، وهي: الموحي، والموحى إليه، والواقع الموضوعي.

لقد تمكنت الحركات الشعبية في جوهرها من خلق واقع جديد على امتداد مساحة العالم العربي، وهو واقع يقلّ فيه الخوف، ويرتفع منسوب النضال الثقافي والسياسي، القائم على شتم بعض الأنظمة القائمة، بوصفها ممثلة الاستبداد.

وهذا في حد ذاته أمر صحي إلى حد كبير. ولكن التساؤل المشروع هو: أين كنا جميعا قبل انفجار هذه الثورات؟ ولماذا كان المثقفون، "الغالبية منهم"، يستسلمون لهذه الأنظمة كالاستسلام للقدر الإغريقي؟ ولماذا لم يخطر في بال أحد منهم أن للشعوب المقهورة يومها وساعتها وقيامتها، إذا كان كل ما يحدث فعلا ثوريا حقا؟

ركائز الإيحاء
ما هو قائم اليوم هو هذه الحتمية التاريخية في انتصار الثورات العربية، وخصوصا بعد نجاح الحركتين التونسية والمصرية في إسقاط الرموز الكبرى. وهي حتمية انبنت على تلك الركائز التي تتضمنها حكما فقرة "سيرل"، وهي الركائز اللازمة للإيحاء.

وقد نجحت مراكز إعلامية غربية وعربية، ومراكز دراسات وأبحاث، بالإضافة إلى أشخاص منفردين، في الإيحاء بحتمية التغيير على الطريقتين المصرية والتونسية. وكانت لهذا النجاح أسباب عدة، أبرزها أن المثالين السابقين تحولا من نموذج متفرد إلى نمط. ومن أسهل القراءات في المسائل كلها هي القراءة التي تستلهم النمط، لأنها تتحول بالضرورة إلى قراءة نمطية.

والقراءة النمطية للأحداث والوقائع تنحّي النماذج المتفردة جانبا. وعلى سبيل المثال، فإن النظام المصري تهاوى بعد 18 يوما من صرخات ميدان التحرير ويومياته، بينما ظل النظام الليبي الأضعف سياسيا وعسكريا وبنيويا، صامدا رغم مرور قرابة ثلاثة أشهر على قصف الناتو.

أي أن القراءة النمطية تنطوي على رؤية نسق واحد، والبناء عليه. والخطورة في الأمر هي أن يتبنى المثقفون هذه القراءة، ويسوقونها بوصفها حتمية واقعة في كل مكان. إنها قراءة رغائبية في جوهرها، لأنها لا تريد قراءة أخرى قد تفسدها.

علينا أن نضع في الحسبان أن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، وإنما هي قائمة على مصالح آنية وإستراتيجية بعيدة. وعلينا أن ندرك أن الثورة ليست مجرد شهداء وصور تملأ الفضائيات، بل هي فعل منظم ومخطط له بدقة. وهي نتاج تراكم طويل من الخبرات النضالية والحركات الاحتجاجية
حسابات الثورة
ثمة ما علينا الإقرار به وهو حسن النية عند الجماهير البسيطة، وصدق التفاعل، ونبل الهدف. ولكن ما علينا أن نفكر فيه هو أن كل ما يحدث له علاقاته بالأطراف الإقليمية والدولية، وعلينا أن نضع في الحسبان أن الدول الكبرى ليست جمعيات خيرية، وإنما هي قائمة على مصالح آنية وإستراتيجية بعيدة. وعلينا أن ندرك أن الثورة ليست مجرد شهداء وصور تملأ الفضائيات، بل هي فعل منظم ومخطط له بدقة. وهي نتاج تراكم طويل من الخبرات النضالية والحركات الاحتجاجية التي تسلّم السابقة فيها خبرتها إلى اللاحقة. أما هؤلاء الكتاب والمحللون فهم ليسوا أكثر من صدى لرغبات الشارع العربي، الحالم بالتغيير، أيا تكن نتائجه.

وعندما نقول "صدى"، فهذا يعني أنه ليس صوتهم الحقيقي. وصوتهم الحقيقي سمعناه كثيرا في محطات سابقة. فهم أنفسهم الذين نظّروا للواقعية السياسية، وهم أنفسهم الذين لم يحركوا ساكنا أمام وثيقة جنيف التي ألغت حق العودة، هذا إنْ قبلنا بالتسوية أصلا.

إن الثورية ليست موسمية، وليست انتقائية، وليست جواز مرور لبعض الكتاب بعد أن عجزوا من قبل، وبعد أن سودوا وجوههم في التنظير لما يسمون بالمغامرين، وهم يرفضون عمليات المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني. ولا يمكن أن ننسى حملاتهم التي خاضوها ضد كل من يرفض أشكال التسوية المطروحة على الشعب الفلسطيني، بصفته عميلا أو مرتبطا بأجندة خارجية، وبحجة المعاناة الفلسطينية التي آن الأوان لكي نضع لها حدا.

إننا أمام هبة ثقافية غير مسبوقة، تتلفع بثياب أكبر منها. فهؤلاء لم يلتفتوا إلى الاستبداد الذي مارسته السلطة العربية على جماهيرها طوال عقود، بل وكانوا متصالحين إلى حد كبير مع هذه السلطة. وهم حتى اليوم، ثوريون هنا، ومحافظون هناك. ثوريون عندما يتعلق الأمر بنظام كان في الأقل نصيرا للمقاومة، حتى لو كانت هذه النصرة موظفة لمصالحه، فهي في نهاية المطاف تصب في حركة النضال المتواصل من أجل حرية الشعب الفلسطيني واستقلاله. وهم محافظون عندما يتعلق الأمر بنظام قمعي آخر، لكنه يجاهر بالوقوف ضد المقاومة، ويوظف إمكاناته كلها لعرقلة مشروع المقاومة والتحرر.

مواقف مصلحية
إن الثورية فكرة لا تتجزأ. فإما أن تكون ثوريا وإما أن لا تكون. أما أن تكون ثوريا هنا، ومحافظا هناك، فهذه مواقف سياسية مصلحية، تخدم مشروعات إستراتيجية في الإقليم كله، وتقف في وجه مشروعات أخرى.

وإذا كان الحراك الشعبي في مصر وتونس نجح جزئيا حتى الآن، فإن علينا أن ننتبه إلى أن القرار لم ينتقل بعد إلى أصحاب الثورة، الذين -وبعد انتصارهم- لا يملكون سلاحا حتى الآن سوى ميدان التحرير، الذي لا نعرف إلى متى سيظل مشحوذا. وفي الوقت نفسه، فإن هذا الانتصار لا يشكل نتيجة حتمية نمطية لكل حراك آخر في أي مكان، مما يعني أن حتمية انتصار ما سميت بالثورات ليست راسخة ولا علمية.

وأخيرا، فإن هؤلاء المثقفين الثوريين لا يفكرون في عواقب هذه الانتقائية الثورية، ومدى الاختلالات التي قد تحدث، وحجم انعاكاساتها على الإقليم كله. فإذا كنا نحن تبعيين وصدى لما يحدث، فإن هنالك قوى ومشاريع دولية وإقليمية تجهز نفسها منذ اللحظة الأولى لتكون لاعبا أساسيا في أي حراك، ومقررا أساسيا في أي نتائج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة