يوميات "التحرير" - 4   
الجمعة 1/3/1432 هـ - الموافق 4/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 1:02 (مكة المكرمة)، 22:02 (غرينتش)

أعداد المتظاهرين الذين زحفوا إلى ميدان التحرير يوم الثلاثاء الماضي فاجأت الجميع (الفرنسية) 

نواف القديمي- صحفي وكاتب سعودي

منذ أول صباح يوم الثلاثاء بدأت جُمُوع الناس تتجه بكثافة إلى ميدان التحرير تلبيةً للدعوة إلى المظاهرة المليونية التي نادت بها قوى المُعارضة. من جانبها قامت الحكومة بإجراءات عديدة لمنع تدفق الناس، حيث قامت أولا بإيقاف كل شبكة القطارات منذ يوم الاثنين، حتى لا يتدفّق الناس من الأقاليم إلى القاهرة، ثم قامت بعمل حواجز تفتيش أمنيّة كثيرة تتعمّد تعطيل الناس ساعات، سواءٌ في الطُرقات الخارجية، أو في الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير داخل القاهرة.

وتسببت هذه الإجراءات في منع عشرات الآلاف من الوصول إلى الميدان. لذا توقع بعض المراقبين أن لا يكتظ الميدان بالحضور، ولكن ما أن اقترب وقت الظهر حتى كان ميدان التحرير مُمتلئا بالناس إلى حد الانفجار، في مشهد يُشبه زحام الحجيج المُتعجّلين في طواف الوداع. فرغم ضخامة الميدان فإنك لا تستطيع السير بداخله بضعة أمتار إلا بمشقّة، حتى إن أحد الشباب المُنظِّمين للمظاهرات قال ساخرًا ووجهه ينضح بالفرح: إحنا صحيح قلنا عاوزين الناس تجي كتير.. بس مش للدرجة دي.. يقينا مش عارفين نمشي خطوتين.

وفي مدخل ميدان التحرير، كانت قوات الجيش تطلب من جميع الداخلين عرض هوياتهم الشخصيّة. وكان أحد الضباط يقف على رأس الدبابة ويُردِّد "طلعوا الهويات يا جماعة. وممنوع دخول رجال الشرطة". حيث كان الجيش يمنع دخول رجال الشرطة خشيةً من أي أعمال شغب أو تخريب يقومون بها.

وكان ميدان التحرير يرتج بالدوي طِوال اليوم.. والأمواج البشرية التي تملؤه تهتف بأعلى صوت مُطالبة بإسقاط النظام. وأحيانًًا تُردد هتافات فيها كثير من السخرية.. حيثُ خاطب المُتظاهرون الصحافة المصرية الرسمية التي شككت في قدرة المعارضة على حشد حتى عشرات الآلاف. وقالوا:

الصحافة فيين .. المليون أهُمّ .. الصحافة فيين .. المليون أهُمّ

ثم استمروا في الهُتافات الساخرة:

عايزين حكومة حرّة .. العيشة بقت مُرّة

عايزين حكومة جديدة .. بقينا ع الحديدة

وفي وسط الميدان هناك شابٌّ يحمل "كيس زبالة"، وكان يدور ويُردد وهو يجمع القمامة من الناس: تبرّعوا للحزب الوطني.. تبرّعوا للحزب الوطني.

وفي طريقنا إلى أحد أطراف الميدان، كانت هناك جُمُوع تُصلي العصر.. وهناك ممر صغير بمحاذاتهم لعبور الناس.. وإذ برجل مُسِنّ يسدّ هذا الممر ويصلي فيه.. الغريب أنه كان يصلي باتجاه مختلف عن اتجاه بقيّة المُصلّين!.. فقال له أحد المارّة وهو يُصلّي: يا حاج أنت كدا قفّلت الطريق.. وبعدين أنت بتصلّي عكس القبلة.. فرد عليه شخص آخر كان يسير وراءه "ياعم مش مشكلة.. أهم حاجة انو بيصلي".

وفي مُنتصف العصر، خرجت مع بعض الأصدقاء إلى أحد الطرق المُتفرّعة عن ميدان التحرير، وجلسنا على قهوة شعبيّة بقرب الميدان.. وإذ بجوارنا مجموعة من ثمانية أشخاص، واحد منهم مُستفرد بالكلام والبقية صامتون.

نحو مليوني شخص هتفوا بميدان التحرير يوم الثلاثاء ضد بقاء مبارك (الجزيرة)

زعيم هذه المجموعة الذي كان
يتحدث طوال الوقت، استطاع وهو جالس في المقهى، وخلال ربع ساعة فقط أن يُعيِّن حكومة جديدة. وشكّل مجلسا جديدا سمّاه مجلس رئاسة. وعيّن رئيسا للدولة. ثم أعلن أول عشرة قرارات ستُصدرها الحكومة الجديدة.. أولها قرار إنهاء معاهدة كامب ديفد. ثم قرار رفع الحد الأدنى للأجور. وتشكيل مجالس شعبيّة. بعد ذلك قام بوضع دستور جديد. ولم يُبقِ شيئا يُمكن للحكومة أن تفعله خلال عشرة أعوام إلا عمله خلال ربع ساعة.. بعد قليل قال له أحد الجلوس بسخرية "ياعم أنتا باقي بس تعلن الحرب".

ثم ما هي إلا دقائق وإذ بالجماعة -بقيادة الزعيم طبعا- يقومون بكتابة البيان رقم واحد. بعد ذلك وقف الزعيم على الكرسي وبدأ يقرأ البيان على الناس. علمًا بأن مجموع من كانوا في القهوة لا يتجاوز 15 شخصا!

وبعد أن فرغوا من هذه المهام النضالية الشّاقة وأنهى الزعيم قراءة البيان، نزل عن الكرسي، وبدأ يُغني أغاني وطنية حماسية: "خلي السلاح صاحي". وصار جميع الحضور يُغنُّون معه، وبدأ المُحيطون بالمقهى يقتربون ويُغنُّون ويصفِّقون. واستمر الوضع على هذه الحالة قرابة نصف ساعة. قمت خلالها بتسجيل عدد من المقاطع لهذا الاحتفال بالنصر. ثم بعد فراغهم من الغِناء، صافح الزعيم جُمُوع المُواطنين، وعندها كانوا قرابة 25 شخصا وهو يقول "دي حاجة بسيطة كده.. يعني يمكن اعتبارها ترفيه للثورة.. بعدها راجعين تاني لمُبارك".

وفي الطرف الآخر من المقهى كان هناك عجوزان يشربان الشاي ويتكلمان بحماس عن الثورة.. وبعد قليل جاءهم عجوز ثالث وقال لهم ضاحكًا "إيه اللي مطلّعكم في وقت حظر التجوّل يابشوات؟ فرد عليه أحدهم: أصل أنتا مش فاهم.. دا حظر تجوّل للحكومة مش للشعب".

وفي زاوية ثالثة بنفس المقهى كانت هناك امرأة كبيرة تجلس وبصحبتها طفلة صغيرة. الطفلة خاطبت أمها بلغة جميلة: يا ماما "إحكيلي حتّوتة".. فردت عليها الأم "شوفي يابنتي.. لما الرئيس يغور ححكيلك أحلى حتّوتة".

بصراحة حوت هذه الجلسة البسيطة في المقهى من الظَرَف ما لا يُمكن أن تجده في أي مسرحيّة ساخرة.

وبعد أن رجعنا إلى الميدان عقِب صلاة المغرب وأمضينا ساعتين بين الحشود. عُدنا بعد ذلك في طريقنا المُعتاد إلى الفندق. وعند وصولنا ذهبتُ إلى طاولة الاستقبال. وطلبتُ من الموظف مفتاح غرفتي. قلت له: غرفة 109 لو سمحت (الأرقام إنجليزية).. فأعطاني مفتاح غرفة 106.. وعندما نبّهته لخطئه.. أعطاني مفتاح غرفتي وهو يقول "والله ياباشا كل حاجة بقت ملخبطة في البلد.. حتى الستة بقت شبه التسعة اليومين دول".

طوال هذه الأيام التي قضيتها في مصر كنتُ بصُحبة بعض الشباب.. كان منهم سعوديان اثنان وكويتي قدموا إلى مصر لأول مرة.. وبسبب الظروف السياسية لم يرَ هؤلاء الشباب أيًّا من معالم مصر التي يزورها السُيّاح عادة.. لذلك قلتُ لهم "هذه المرة أنتم رأيتم مصر الثورة.. وفي المرة القادمة بإذن الله سترون مصر الدولة والتاريخ والثقافة".

في كل يوم أتجوّل فيه وسط الحُشُود بميدان التحرير، لا أجد شيئا يتردد على لساني أكثر من: "رحم الله الدكتور عبد الوهاب المسيري". فكم كنتُ أتمنى لو شَهِد هذه الأحداث.. فها هو الحُلُم الذي طالما آمن به واشتاق له يتحقق على الأرض.. وفي آخر لقاءٍ لي معه في القاهرة قبل شهرٍ ونِصف من وفاته، قُلت له وأنا أرى نشاطه المُستمِر مع قوى المُعارضة، ونزوله الدائِم في المُظاهرات رغم مرضه الشديد: يا دكتور أما زلتَ تعتقدُ أن هُناك أملا؟! تخرجون في المُظاهرات ولا يخرج معكم سوى مائة شخص!.. الناس يئست من التغيير.. ولا أمل يلوح في الأفق.. عندها كان يُجيبني بثقة "صدقني أن الأمور تغيرت.. والناس صارت أكثر وعيا.. انظر ماذا فعل العُمّال في المحلّة الكبرى، لأول مرة يتحرّك المُحتجون بهذا العدد".. ويستمر د.المسيري في ذكر شواهد عديدة على تطور الأمور.. ثم يقول "أنا مُتفائل، مُتفائل كثيرًا بالتغيير".

وها هو التغيير قد بدأ بالفعل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة