الطاقة النووية الاندماجية... آمال وعقبات   
الثلاثاء 1437/5/8 هـ - الموافق 16/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:31 (مكة المكرمة)، 12:31 (غرينتش)

*الصغير الغربي

يأمل الكثير من العلماء والمهندسين في مجال الطاقة أن تتمكن الإنسانية في المستقبل غير البعيد من استغلال التفاعلات النووية الاندماجية كمصدر لإنتاج الطاقة النظيفة اللامحدودة التي لا تعتمد على الكربون ولا تمثل النفايات المنتجة فيها مشكلة بيئية.

وقد وضعت برامج علمية وتقنية دولية للتحكم في هذه الطاقة نجح بعضها في تحقيق بعض التقدم، مما عزز الأمل في إمكانية الاستفادة من هذه الطاقة يوما ما على نطاق واسع، لكن العقبات التقنية والمادية تجعل تحقيق هذا الهدف غير ممكن قبل انتصاف القرن الحالي على أقل تقدير.

حاليا يبلغ الاستهلاك العالمي من الطاقة نحو 12 مليار طن مكافئ نفط في السنة وهو في تصاعد، ويتوقع بعض الخبراء في مجال الطاقة أن تتضاعف هذه الكمية مرتين أو ثلاث مرات مع نهاية القرن الحالي. وفي المقابل، تتضاءل المخزونات العالمية من النفط والغاز والفحم وتتزايد تكاليف استخراجها يوما بعد يوم.

وقد حفزت الدراسات العلمية بشأن التغير المناخي البحث عن مصادر بديلة نظيفة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، كما دفعت الباحثين إلى التساؤل عن إمكانية استغلال الطاقة "الأم" أي الطاقة التي كانت وراء كل الطاقات الأخرى، وهي الطاقة النووية الاندماجية التي مصدرها الشمس ولولاها لما حدث التحلل الضوئي للترسبات العضوية في العصور القديمة منتجة النفط والغاز والفحم، ولولاها لما كانت هناك طاقة شمسية حرارية ولا طاقة رياح.

مركز أبحاث الاندماج النووي التابع لمعهد ماكس بلانك لفيزياء البلازما بألمانيا (الأوروبية)

مزايا عديدة
ولهذه الطاقة التي يستخدم فيها عنصر الهيدروجين مزايا عديدة، فالوقود (غاز الهيدروجين) هو مصدر متوفر في الطبيعة وغير قابل للنضوب على عكس عنصري اليورانيوم والبلوتونيوم، كما أن خطر حصول كارثة أو حادث في المفاعل النووي غير وارد لأن عمليات دمج النوى الذرية لا تنتج مخلفات نووية ضارة.

ففي الوقت الذي تقوم فيه المفاعلات النووية التقليدية بتجزئة ذرات العناصر الثقيلة كاليورانيوم والبلوتونيوم وإنتاج عناصر مشعة تقوم المفاعلات النووية الاندماجية بدمج ذرات الهيدروجين أخف العناصر الكيميائية (نواة بها بروتون وحيد يدور حولها إلكترون) للحصول في النهاية على ذرات عناصر أثقل وغير مشعة، وترافق هذا الاندماج طاقة عالية جدا تصل إلى عشرة أضعاف مثيلتها في التفاعلات النووية الانشطارية، وهذه التفاعلات النووية هي مصدر الطاقة التي تولدها النجوم التي لها كتلة قريبة من كتلة الشمس.

غير أن النجاح في إحداث هذا التفاعل يتطلب توفير ظروف مشابهة بتلك التي في مركز الشمس لتنفصل الإلكترونات عن ذرات الهيدروجين وتصبح في حالة مادية تسمى "البلازما" وتهيئ الظروف اللازمة للاصطدام ببعضها والاندماج في سلسلة من التفاعلات تفضي في النهاية إلى تكون ذرات الهيليوم مصحوبة بجسيمات النيترون الحاملة للطاقة.

 لكن هذه البلازما تكون حرارتها عالية جدا وباستطاعتها تذويب كل أنواع المعادن، وهو ما يجعل احتواءها داخل وعاء مادي مستحيلا، لذلك توضع هذه البلازما داخل "وعاء مغناطيسي" تلفه حقول مغناطيسية قوية تمنعها من لمس الجدران المعدنية الصلبة للمفاعل.

ويفضل العلماء استعمال نظيرين للهيدروجين كوقود، هما الديوتيريوم المكونة نواته من بروتون ونيترون، والتريتيوم المكونة نواته من بروتون ونيترونين، لأنهما يعطيان مردودا أفضل للطاقة المنتجة، خاصة أن الديوتيريوم متوفر بكميات كبيرة في الأرض أما التريتيوم فيمكن إنتاجه من الليثيوم.

ويتعين أن تكون درجة الحرارة داخل المفاعلات بحدود مئة مليون درجة وذلك لتوفير ظروف مناسبة لإنتاج كمية كافية من الطاقة تفوق تلك اللازمة لتشغيل المفاعل وتوفر بالتالي فائضا يمكن استغلاله تجاريا.

اللفائف المغناطيسية داخل تجربة اندماج نووي ضرورية لاحتواء البلازما (رويترز)

مشروع "إيتر"
الطاقة الاندماجية مصدر لا ينضب تقريبا ويستحق بذل الكثير من الجهد والمال والوقت، هذه قناعة لدى الكثير من الدول، خاصة منها المتقدمة تكنولوجيا، لذلك وضعت برامج علمية لبناء مفاعلات اندماجية تجريبية، وأكبر هذه المشاريع هو المفاعل النووي التجريبي الدولي "إيتر" الذي هو قيد البناء في فرنسا وتشارك فيه الولايات المتحدة واليابان وروسيا والصين والهند وكوريا الجنوبية ودول الاتحاد الأوروبي، ويستخدم المشروع مولد "توكوماك" وهو أقدم أنواع المفاعلات الاندماجية ويعود تصميم أول جيل منها إلى الخمسينيات من القرن الماضي.

ويهدف "إيتر" الذي انطلق في عام 2007 إلى إجراء أول تفاعل اندماجي بحلول عام 2023 ليتمكن لاحقا من إنتاج خمسمئة ميغاواط من الطاقة وهي تعادل عشر مرات كمية الطاقة التي يستهلكها المفاعل عند تشغيله.

لكن استغلال المفاعل لإنتاج الطاقة الكهربائية على نطاق تجاري لن يكون ممكنا قبل العام 2050 حسب أكثر السيناريوهات تفاؤلا، وهو أمر أصبح محل تساؤل، ولا سيما أنه يعاني من التأخير في آجال بنائه إضافة إلى ارتفاع تكاليف إنجازه إلى 16 مليار يورو سنة 2015 وهو ثلاثة أضعاف المبلغ الذي كان متوقعا عند انطلاقه.

كما يعد مولد "ستيلاراتور" الألماني من بين المشاريع الواعدة في هذا المجال، وقد تمكن الباحثون في معهد ماكس بلانك من تشغيل المولد الذي كلف بناؤه مليار دولار وتسخين غاز الهيدروجين إلى ثمانين مليون درجة خلال ربع ثانية، ويسعى الفريق لزيادة درجة الحرارة إلى مئة مليون درجة مئوية واستدامتها لوقت أكبر.

ويعتقد الخبراء أن بإمكان ستيلاراتور المحافظة على البلازما لثلاثين دقيقة وهي مدة أكبر من تلك التي حققها مفاعل توكوماك وهي ست دقائق وثلاثون ثانية. ويقول الباحثون إن هذا المولد ليس مصمما لإنتاج كمية كافية من الطاقة الصالحة للاستخدام ويقتصر دوره على إجراء التجارب من أجل إثبات إمكانية تحقيق ذلك.

أما الصين ورغم مشاركتها في مشروع "إيتر" الدولي فقد أعلنت في الأسبوع الأول من فبراير/شباط الحالي عن نجاح تجربة مماثلة باستعمال مفاعل اندماجي من نوع توكوماك، وقد بلغت درجة حرارة البلازما خمسين مليون درجة مئوية وتم الحفاظ عليها لمدة 102 ثانية.

كبسولة كروية من الديوتريوم والتريتيوم المستخدم كوقود للاندماج النووي (أسوشيتد برس)

تحديات في الانتظار
لا شك في أن النجاح في إثبات إمكانية القيام بهذه التفاعلات داخل مولدات اندماجية من صنع البشر هو خطوة مهمة لا يستهان بها لكنها الخطوة الأولى للوصول إلى عصر الطاقة اللامحدودة.

فأمام العلماء أكثر من عقبة يتعين تجاوزها أولها هي الوصول إلى تكنولوجيا بإمكانها الحفاظ على البلازما التي تحدث داخلها التفاعلات الاندماجية في درجة حرارة عالية جدا تقارب مئة مليون درجة لمدد أطول وتصل مستقبلا إلى سنوات عوضا عن بضع دقائق حاليا.

وتمثل النيترونات الحاملة للطاقة التي يتم إنتاجها في التفاعلات تحديا آخر أمام العلماء، فهي لا تتأثر بالمجالات المغناطيسية لكونها متعادلة الشحنة وتفلت بسهولة من الوعاء المغناطيسي الذي تحدث داخله التفاعلات وتصطدم بالجدار الداخلي للمفاعل وهو ما سيضعف بنيته على مدى طويل، كما أن التكاليف الباهظة لبناء المولدات الاندماجية وما تتطلبه من سنوات طويلة من العمل تجعل المردودية الاقتصادية لها غير مضمونة.

وعلى ضوء ما يتوفر حاليا من تكنولوجيا فإن تجاوز هذه العقبات سيأخذ عقودا طويلة تجعل احتمال الوصول إلى التحكم في هذه الطاقة "اللامحدودة" ضئيلا للغاية خلال النصف الأول من القرن الحالي، هذا إذا لم تحدث ثورة تكنولوجية تعيد خلط الأوراق من جديد.
_____________
*إعلامي تونسي متخصص بالشؤون العلمية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة