حصار الفالوجة الفلسطينية.. رحل الشهود وبقيت الشهادة   
الثلاثاء 1436/7/24 هـ - الموافق 12/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 3:48 (مكة المكرمة)، 0:48 (غرينتش)

عوض الرجوب-الخليل

في كل عام يقيم الفلسطينيون فعاليات إحياء ذكرى النكبة التي حلت بهم عام 1948، وفي كل عام يغيب شهود، لكن الشواهد والشهادات تبقى حية على تلك المأساة التي لم تتوقف، بل تجددت باحتلال باقي فلسطين عام 1967.

وتنشر الجزيرة نت شهادات فلسطينييْن التقتهما قبل وفاتهما، وهما المرحومة شمس الطيطي التي وافتها المنية قبل أسابيع، والمرحوم أبو موسى أبو الزغاريت، وهما من عراق المنشية قرب الفالوجة، وكانا شاهدين عل حصارها بوجود الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر.

رحلت شمس عبد الله صافي الطيطي التي قضت أيامها الأخيرة في مخيم العروب شمال الخليل، تاركة وراءها كل ما جلبته من بلدتها، من وثائق ومقتنيات بما فيها صندوق كسوتها في الزواج.

شمس: استهل اليهود اقتحام البلدة
بنسف مبنى البلدية (الجزيرة نت)

شهادة شمس
وفي شهادتها المسجلة، قالت شمس -وكانت بلغت الثمانين- إن اليهود عندما اقتحموا الفالوجة بدؤوا بنسف البلدية مما أثار الفزع بين السكان، مشيرة إلى دور رئيسي في سقوط البلدة لعبته مستوطنة كانت أقيمت قريبا منها.

وأضافت أن النساء والأطفال كانوا يغادرون البلدة ليلا خشية الهجوم عليهم ويعودون في الصباح، حتى انسحب الجيش الأردني ووصل الجيش المصري، ثم حوصرت البلدة ستة أشهر دون أن يصل إلى الجيش أي إمداد.

وقالت إن الجيش المصري اعتمد على السكان المحليين في توفير الطعام، حتى كان مخاتير البلدة يوزعون يوميا القمح على نسوة البلدة كي يطحنّه ويخبزن للجيش، واستمر الوضع على هذا الحال حتى ذبحوا كل الأبقار في البلدة للجيش المصري.

وفي أوج الحصار وبعد نفاد احتياجات السكان، قالت شمس "استفقنا على هجوم المستوطنة، حيث تم نقل عائلة الطيطي إلى حارة قريبة، وهناك بدأت مشاورات قتلهم، لكنهم نقلوهم إلى مكان آخر".

وتابعت أن الجيش المصري انسحب بعد هدنة، بينما واصل اليهود اقتحام البلدة، فقتل من قتل ورُحِّل الباقي في شاحنات إلى بلدة الخضر ببيت لحم.

وختمت بقولها "تآمرت علينا الحكومات والعرب كلهم.. والله لو روحي (تنتزع) ما تنازلت عن أرضي، ولو بشنقوني زي صدام ما قلت آه"، لكن روحها صعدت وبقي صندوقها وعقد زواجها وذريتها شهودا على النكبة.

 أبو الزغاريت: وسطاء مصريون
عرضوا على السكان الرحيل (الجزيرة نت)

شهادة أبو الزغاريت
وفي شهادة مواطنها وشريكها في الرحيل المرحوم أبو موسى أبو الزغاريت الذي وافته المنية بمخيم العروب، قال إن المصريين دخلوا البلدة ومعهم جمال عبد الناصر، وسكنوها لأكثر من ثمانية أشهر قطع عنهم خلالها الإمداد.

وأضاف أن الجيش المصري ذبح كل الماشية، وكانوا يشترونها بقيمتها لكن على الورق، "يعطوك وصل، فش مصاري، يعطيك وصل، والقمح كانوا يشتروا قنطار الحب يعني 100 رطل، يعطونا حقه بالسعر الماشي، حقه ورقة".

وأكد أبو الزغاريت ما قالته شمس بشأن توزيع الحبوب على النساء لطحنها، لكنه أضاف أن وسطاء مصريين حضروا في نهاية الحصار وعرضوا على السكان الرحيل، فكان الرد "أين نرحل؟ وكيف نترك بلادنا؟ فقيل لهم: هذه الهدنة، ولا بد من رحيلكم".

وتابع الشاهد أن عددا من السكان رحلوا وبقي آخرون، وبعد مغادرة الجيش المصري إلى غزة غادر باقي السكان إلى منطقتي الخليل وبيت لحم، ومع ذلك بقي سبعون شخصا شهرا كاملا تحت حكم اليهود في بيت واحد، لكن الإمكانيات شحت.

وعن مشاورات ما قبل الرحيل، استذكر أبو الزغاريت أن البعض كان يعد قوائم للراغبين في الرحيل ويسلمها للوسيط المصري في خيمة على أطراف البلدة، ويتم توقيعهم على وثائق بترحيلهم.

كما استذكر فريقا تحدى محاولات الترحيل، ومنهم جبرين خليل الذي طلب منه الوسيط الرحيل خشية الموت وقلة الطعام، فكان رده "سنأكل العشب ولا نترك بلادنا".

وعاد إلى ساعة المغادرة فقال "حضرت السيارات ووقفت على الطريق، وأجبر الناس على الصعود، وتم نقلنا إلى بلدة ترقوميا، حيث وجدنا القوات الأردنية تحصي الناس".

أضيف اللاجئ الفلسطيني إلى سجل الموتى بعيدا عن مسقط رأسه، ودون أن يتحقق حلم العودة، لكنه ترك شواهد هم أبناؤه وأحفاده المتمسكون بهذا الحلم.. بهذا الحق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة