الهجرة توهن الأقلية الألبانية في صربيا   
الجمعة 1437/9/20 هـ - الموافق 24/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 3:18 (مكة المكرمة)، 0:18 (غرينتش)

شادي الأيوبي

 
بلورات إسماعيلي ألباني من مدينة بريشيفا في جنوب صربيا، أدرك منذ صباه أنه لا مستقبل له في المنطقة، فسافر إلى سويسرا عام ٢٠٠١ لأسباب اقتصادية، وهو يعيش الآن مع زوجته وبناته الثلاث بمدينة زيوريخ حيث يعمل في مجال البناء.

واجه صعوبات كثيرة، لكن ظروفه المادية تحسنت مع الوقت، إذ يعمل وزوجته اليوم براتب شهري يصل إلى ١٠ آلاف يورو (نحو 11.350 ألف دولار)، ولا يريد أن يبقى أكثر في سويسرا، لكن ظروف بلورات (35 عاما) لا تسمح له بالرجوع إلى مدينته بريشيفا قريبا، وفي الوقت نفسه لا يشجع الشباب على الهجرة.

ويقول للجزيرة نت "عددنا كل يوم ينقص وصربيا تريد ذلك، فهي لا توفر لنا أي فرصة عمل، بل يأتي الصرب يوميا بالحافلات للعمل في المصالح الحكومية في مناطقنا والأعمال الحكومية بأيديهم".

ويعيش حوالي مئة ألف من المسلمين الألبان في جنوب صربيا، يتجمعون في ثلاث مدن هي بريشيفا ومدويجا وبويانوس، حيث يعانون ظروفا اقتصادية صعبة تجعل الهجرة إلى بلاد أوروبا الغربية حلمَ شبابهم، أو تضطرهم للقبول بفرص عمل متواضعة في كوسوفو المجاورة.

أزمة مفتعلة
ويعتقد المسلمون الألبان أن الأزمة الاقتصادية في مناطقهم تفتعلها الحكومة الصربية، لإحداث تغييرات ديموغرافية لصالح الصرب، ويقولون إن غياب الخدمات من مناطقهم سبب آخر للهجرة، فأقرب مستشفى لمدينة بريشيفا يبعد عنها حوالي 50 كلم، كما أن الأدوية باهظة التكاليف.

ويؤكد إمام مسجد بريشيفا جمال الحساني وجود مخاوف كبيرة جراء تناقص الأقلية الألبانية في المنطقة، مشيرا إلى أن كان في إحدى المدارس الابتدائية ٦٢٥ طالبا قبل عشر سنوات، لكنهم لا يتجاوزون اليوم ٢٥٦ طالبا. ويزيد أنه كان يسكن مدينة مدويجي ٤٦٥٥ ألبانيا، لكنهم تقلصوا اليوم إلى خمسمئة فقط، وهذا حال الألبان في جميع مناطق جنوب صربيا.

ويقول الحساني للجزيرة نت إن الجميع يفكر بالهجرة على خوف منها، لكن بسبب صعوبة الأوضاع لا سبيل لإيقافها، مشيرا إلى أنه جرت عمليات طرد جماعي للألبان بعد انسحاب العثمانيين من صربيا عام 1912، وأن ألمانيا والنمسا فتحت للألبانيين أبوابهما في سنوات السبعينيات فهاجروا إليهما لاجئين وعمالا.

الطاعون الأبيض
المختص بشؤون البلقان محمد الأرناؤوط أوضح للجزيرة أن ثمت وضعا عاما في صربيا يسمى "الطاعون الأبيض" حيث يتناقص عدد السكان سنويا بسبب تراجع المواليد والهجرة لدول الاتحاد الأوروبي لإهمال المركز للأطراف والهجرة للعاصمة بلغراد (للصرب طبعا) حتى أصبح عدد سكان بلغراد وضواحيها يوازي نصف عدد سكان كل صربيا.

جدات ألبانيات بمدينة بريشيفا حيث تهيمن فئة كبار السن على الأقلية الألبانية بسبب هجرة الشباب (الجزيرة)

ويقول المتحدث للجزيرة نت إن هذا يبدو واضحا في جنوب غرب صربيا، حيث تنكمش معظم القرى أو حتى تفرغ من سكانها الألبان الذين يتوجهون إلى كوسوفو القريبة من العاصمة بريشتينا، أو إلى دول الاتحاد الأوروبي خاصة سويسرا وألمانيا.

ويشير إلى وجود سياسة ممنهجة من بلغراد تتجلى في عدم تطوير مناطق الأطراف، أو إضعاف العنصر الألباني داخل صربيا على طول الحدود مع كوسوفو، وفي تشديد ظروف الإقامة وصولا إلى حرمان الغائبين من حقوق المواطنة بالتدريج.

ويعتقد الأرناؤوط أن هذه الهجرة تهدد الوجود الألباني في تلك المناطق، رغم توجه الألبان في السنوات الأخيرة لشراء الأراضي في جنوب صربيا (مدينة نيش وضواحيها) لرخصها مقارنة مع الأراضي في كوسوفو، وهي المناطق التي هجر الألبان منها خلال حرب 1877-1878.

ويشير المختص بشؤون البلقان إلى وجود ضغوط في كوسوفو على الحكومة الحالية، لكي تعتمد مبدأ المعاملة بالمثل مع صربيا، وتفرض على بلغراد التعامل مع الألبان لديها كما تتعامل السلطات الكوسوفية مع الصرب في كوسوفو.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة