هل نمتلك الحقيقة الكاملة عن الأرض؟   
الجمعة 1434/11/9 هـ - الموافق 13/9/2013 م (آخر تحديث) الساعة 13:00 (مكة المكرمة)، 10:00 (غرينتش)

صورة ثلاثية الأبعاد للبركان تامو ماسيف الذي تشكل قبل 145 مليون عام (الأوروبية)

عبد الكريم العوير*

لا تزال الأخبار الواردة كل يوم عن فرق الاستكشافات العلمية تخبرنا أن الأرض كوكب كبير لم يقدر سكانه على الإحاطة به علماً، رغم توجههم إلى غيره من الكواكب الأخرى محاولين البحث فيها عن كل جديد علمي ليكتشفوه.

ففي خبر غريب ومثير من نوعه، أعلن عدد من العلماء لمجلة "نيتشر" لعلوم الأرض أنهم اكتشفوا في أعماق المحيط الهادئ أكبر بركان موجود على هذا الكوكب والذي يعادل بحجمه تقريبا مساحة المملكة المتحدة أو مساحة ولاية نيو مكسيكو الأميركية حيث ينتشر على ما يزيد عن 193 ألف كيلومتر مربع.

ويقول قائد فريق البحث الدكتور وليام ساغر من جامعة هيوستن الأميركية وزملاؤه من اليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إن أمواج المحيط الهادئ لا تخفي تحتها عالما من الأسماك والشعب المرجانية فحسب، بل آثارا لبراكين كانت في السابق تغلي أسفل هذا المحيط الكبير المترامي الأطراف.

ويوضح ساغر المتخصص بعلوم الأرض وزملاؤه للمجلة أن البركان -الذي أطلق عليه اسم تامو ماسيف- يقع ضمن سلسلة صخرية قد تصل مساحتها إلى ما يقارب ٣١٠ آلاف كيلومتر مربع تقع في غرب المحيط الهادئ قرب دولة اليابان.

والبركان المكتشف حديثا يقترب بحجمه من حجم أكبر بركان معروف في المجموعة الشمسية والموجود في كوكب المريخ والمعروف باسم "أوليمبوس مونس"، ورغم أن تامو ماسيف أعرض من أوليمبوس مونس فإن كتلة الأخير العامة تزيد تقريبا بنحو 25% عن كتلة تامو ماسيف.

هذا البركان انتزع بعد اكتشافه لقب أضخم بركان على الأرض من بركان "ماونا لوا" الموجود في هاواي، والذي يعد أضخم بركان نشط على الأرض حيث ثار وخمد على مدى سبعمائة ألف عام. لكن حجم بركان ماونا لوا البالغ نحو 3218 كيلومترا مربعا يعد ضئيلا جدا مقارنة ببركان تامو ماسيف.

وتقع الفوهة البركانية لتامو ماسيف ضمن سلسلة مرتفعات تحت سطح البحر تمتد بطول كيلومترين ضمن منطقة مرتفعات اسمها "شاتسكاي رايز" وتبعد عن اليابسة شرقي اليابان نحو ١٦٠٠ كلم، وقد ظل هذا البركان مخفيا لأن قمته تقع على عمق 1.981 كيلومتر تحت سطح المحيط، في حين يُعتقد أن معظم قاعدته موجود على عمق يصل إلى 6.4 كيلومترات تحت المياه.

تشكّل هذ البركان -كما يقول العلماء- قبل ما يقرب من ١٤٥ مليون سنة، حيث تدفقت من فوهته حمم بركانية عظيمة ثم بردت محدثة هذا الارتفاع الضخم والشكل البركاني، وقد خمد بعد بضعة ملايين من السنوات على تشكله.

هل يعاود البركان ثورته؟
من المعروف أن الكثير من البراكين تهدأ لفترات طويلة ثم تعاود عملها مرة أخرى، ولعل أقرب مثال يمكن للقارئ أن يتذكره هو البركان الذي اندلع في أيسلندا وأوقف جميع حركات الطيران في عدة دول أوروبية وذلك في العام ٢٠١٠، إلا أن ثورة البركان هذه لم تكن ثورته الأولى، حيث إنه اندلع في فترة مبكرة من العام 1821 ولم يخمد حتى تسبب في رحيل عدد كبير من سكان الجزيرة المجاورين له عن منازلهم، لتأتي ثورته المفاجئة بعد ما يقرب من مائتي عام على عكس جميع توقعات الخبراء والتي تسببت حينها في فرار ستمائة شخص من منازلهم وتركها بعد أن اشتدت السحب الدخانية.

لكن العلماء يشككون في أن يثور البركان تامو ماسيف مرة أخرى قائلين إن من غير المرجح أن تندلع الحمم بعد أن ركدت كل هذه السنوات الطويلة، مشيرين إلى أن المرتفعات الصخرية كانت قد نشأت بسبب عدة عوامل جيولوجية منذ ملايين السنين، لكن تامو ماسيف يعد من بين العديد من البراكين حول العالم التي خمدت ولم تعاود نشاطها منذ وقت طويل ومن غير المحتمل أن تثور مرة أخرى، حسب ما ذكر ساغر لمجلة نيتشر.

لكن أحد من العلماء لا يستطيع الجزم في أمر البركان وأمر ثورته من عدمها، والصورة الواردة عن المسح الجيولوجي لمنطقة البركان لا تعطي أكثر من التفاصيل المعروفة حاليا. 

دراسة البركان كانت قد بدأت منذ حوالي عقدين، حيث لم يكن علماء الجيولوجيا متيقنين من كونه بركاناً واحدا أو عدة براكين متراصة بعضها إلى جوار بعض وهو ما استغرق عشرين عاما للكشف عنه.

كم من الدراسات المعلقة اليوم سنسمع عن نتائجها في وقت قريب جداً، ستكشفها لنا دراسة قد امتدت لسنوات طويلة، فهل ما نحن عليه اليوم من علوم يخولنا لأن نقول إننا نعلم كل ما في الأرض؟ إذا كان البركان الذي يمكث بيننا في المحيط الهادئ لملايين السنوات لم يكتشف إلا في العام ٢٠١٣، فكم في الأرض من أسرار لم تُعرف بعد؟!

_____________
* صحفي في مجال العلوم والتكنولوجيا
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة