فيلم "وجمة".. المرأة الأفغانية بين الحداثة والتقاليد   
الثلاثاء 5/1/1436 هـ - الموافق 28/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 23:49 (مكة المكرمة)، 20:49 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

يقدم فيلم "وجمة.. قصة حب أفغانية" للمخرج الأفغاني برماك أكرم صورة عن التدافع القيمي بين تيارات الحداثة في مواجهة المرجعيات التقليدية في بلاد تبحث عن ذاتها في مرحلة ما بعد نظام طالبان.

من خلال حكاية الطالبة الشابة وجمة والشاب مصطفى اللذين يعيشان في وسط عائلي متحرر نسبيا، يبسط الفيلم في 85 دقيقة أرضية سردية لاختبار قوة رياح المعاصرة أمام تجذر قيم المحافظة في المجتمع الأفغاني حين تندلع أزمة "الشرف" إثر انكشاف الحمل غير الشرعي لوجمة.

يبدأ برماك أكرم هندسته الحكائية بتسليط الضوء على الوجه العصري لبلاد خرجت من محنة الحرب، ولا أبلغ من تصوير عرس أفغاني لتقديم هذا الوجه، ليفتح لاحقا قوس علاقة محفوفة بالمخاطر بين وجمة ومصطفى، رغم مظاهر الحداثة في الواجهة الاجتماعية.

فانكشاف الحمل غير الشرعي سيشكل بداية انقلاب في نمط العلاقات الاجتماعية، وفي لحظة واحدة تفقد الفتاة حب مصطفى الذي يشكك في أبوته للجنين وعطف والدها الذي يعود من عمله في إزالة الألغام جنوبي البلاد ليتصرف كوحش جريح يريد الانتقام لشرفه ويشارف على قتل ابنته التي لن تتردد كثيرا في محاولة الانتحار لإنهاء مأساة لا تحتمل.

يقترح المخرج -وهو نفسه السيناريست- نهاية أقل مأساوية حين تفشل المحاولة وتقرر الأسرة نقل الفتاة إلى الخارج من أجل حل مفتوح على التوقع: الوضع أو الاجهاض، ليظل مصير الشخصيات معلقا هو الآخر، هو مصير شعب بأكمله يتأرجح بين الأصالة والمعاصرة.

يختار برماك أكرم، الذي حاز تنويها خاصا من لجنة تحكيم المهرجان الدولي لفيلم الصحراء الذي احتضنته مدينة زاكورة (جنوب المغرب)، أن يقدم نظرة متوازنة بلا إغراق في "كليشيهات" مجتمع الحرب والتفكك التي تلقى صدى لدى الجمهور الغربي.

ثمة حياة اجتماعية تعاش تحت أي ظرف، ومجتمع يعيش كغيره من مجتمعات الشرق توتر التدافع بين الاختيارات والمرجعيات، وإن كان المخرج لا يخفي وقوفه إلى جانب المرأة الأفغانية ضد ما يعتبره عنفا اجتماعيا متعدد الأشكال.

برماك أكرم حاز تنويها خاصا من لجنة تحكيم المهرجان (الجزيرة)

اختيارات تصويرية
ينوع المخرج اختياراته التصويرية بين لقطات مكبرة تنقل انفعالات الشخوص وتعبيراتهم، ولقطات عن بعد ترصد تعايش عناصر مختلفة في المشهد ذاته، وترتسم مشاهد الطبيعة الأفغانية بأرض تكسوها الثلوج كفواصل إيقاعية تمنح المشاهد فسحة تأمل وانزياح في مسلسل درامي طافح بالتوتر.

ويكشف الفيلم أيضا، خصوصا عبر مشاهد المدينة، النزعة الوثائقية للمخرج الذي قام بالفعل بإنجاز العديد من الأفلام الوثائقية بموازاة مع تجربتيه الروائيتين.

وتجسد ذلك في تصوير العرس الأفغاني، الذي هو بالفعل عرس حقيقي لأحد أفراد أسرة المخرج، وكذا في المشاهد المصورة من داخل سيارات الأجرة بكابل، وهو خيار يعكس رغبة المخرج في إعطاء مصداقية وواقعية أكبر للفيلم.

ويبدي برماك أكرم نضجا كبيرا على درب اختياره الواقعي والإدارة الناجحة لطاقم تمثيلي أبان عن قدرة تعبيرية محترمة، بدءا بوجمة بحار مرورا بمصطفى عبد الستار وصولا إلى حاجي غول في دور الأب.

وكان برماك أكرم قد اكتشف وجمة ومصطفى أثناء عرض مسرحية لهما عام 2010، فانبهر بالكيمياء الواضحة في أداء هذا الثنائي.

وقوبل الفيلم بترحيب نقدي وجماهيري منذ خروجه إلى العرض عام ٢٠١٣، وقد حصل على جائزة أحسن سيناريو في مهرجان ساندانس، وتم اختياره لتمثيل أفغانستان في مسابقة أوسكار أحسن فيلم أجنبي ٢٠١٤.

هو فيلم جريء في تسليط الضوء على ملامح واقع اجتماعي تتصارع فيه الذهنيات بعيدا عن الحشد الفولكلوري الذي يختزل أفغانستان في البرقع والكلاشينكوف.

ولعل هذا ما يفسر احتضانه ضمن النسيج السينمائي الأفغاني، ذلك أنه حظي بموافقة الرقابة، وعرض في افتتاح مهرجان سينما حقوق الإنسان بكابل.

إنه ثمرة لنظرة هجينة يحملها المخرج في مسار تكوينه الشخصي وهو ابن الدبلوماسي الذي تنقل منذ طفولته بين بيروت وكابل وباريس التي درس فيها السينما ليتشكل لديه وعي نقدي تجاه مجتمعه دون أن يصنع قطيعة تامة مع بيئة لها مقوماتها ومرجعياتها التراثية والأخلاقية الخاصة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة