التنظير والتعميم   
الأحد 4/8/1435 هـ - الموافق 1/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)

على غرار ما يقال: إن الكتابة هي الكاتب، أي طبعه وهواه وميوله ورؤاه، يمكننا القول أيضا: إن القراءة هي القارئ، اختياراته وميوله وذائقته ورغبته، لكل منهما ذائقة خاصة تحكم العمل الأدبي الإبداعي، إنتاجا وتلقِّيا.

ما من قاعدة أو نظرية أدبية تلزم الكاتب بالعمل وفقها سوى أن يكون مبدعا، وبالمقابل ما من قاعدة أو نظرية تملي على القارئ قبول العمل الأدبي إلا تحقق المتعة والفائدة لديه.

من هنا سنجد هذا التعدد الكبير في الموضوعات التي تتناولها الأعمال الأدبية، وفي التنوع المستمر للأساليب وطرائق إنشاء النص لدى الكتّاب، وكذلك التغاير الصريح في تذوق العمل الأدبي، بكل ما جاء عليه، والاستمتاع به أو النفور منه لدى القراء.

ما هو بدهي في ما سبق لا يكون كذلك في عدد من الكتابات النقدية أو المراجعات الصحافية، إذ بسبب غلبة الهوى على أصحابها -إعجابا أو نفورا- نجدهم لا يكتفون بالتعبير عما شعروا به إزاء العمل ورأوا فيه، وإنما يغالون ويتطرفون فيشتقون من العمل المحدد الذي بين أيديهم قاعدة يعممونها على الإبداع أدبا وفنا!

لا معنى لتعميم تجربة كاتب بعينه على الكتابة ككل، ولا تجربة فنان بذاته على الفن بشكل عام، سيظل للأدب والفن ومختلف أنواع التعبير الإبداعي طرائق خاصة تتجلى بها، وأساليب متعددة تظهر من خلالها

فإذا ما قرؤوا ديوانا يضم قصائد قصيرة، مكثفة، بأقل عدد من الكلمات وأُعجبوا به انتهوا إلى القول إن عصرنا الحديث لم يعد يحتمل المطولات والمعلقات الشعرية، بحيث بات على الشاعر العربي الحديث أن يوجز ويكثف عبر قصائد قصيرة، خاطفة، ومعبرة لتلائم عصرنا المتسم بالسرعة والحركة فضلا عن ضيق الوقت.

الناقد أو الصحافي نفسه ستقع يده -بُعيد مقاله عن ديوان القصائد القصيرة جدا- على ديوان آخر تطول قصائده وتمتد وتتشعب، فيشرع في الكتابة عنه، ولكن ليس من دون مقدمة نظرية نقدية أخرى ترى أن الشعر (التنظير والتعميم مرة أخرى!) هو ذلك النَفَس الملحمي الذي لا يُجزّئ الحياة، ولا يجزُّ نتفا منها، بل يوسع دائرة النظر إليها، موغلا في عمقها وتعقيداتها، من دون أن يأبه الشاعر بالطابع الاستهلاكي لعصرنا.

وبغلبة من الاندفاع نفسه، والغلواء ذاتها سنقرأ كتابات نقدية تنظر للفن التشكيلي من خلال لوحات شاء فنانها أن تكون جدارية ضخمة، فترى (الكتابات تلك) أن الحجم المعتاد للوحة لم يعد يترك أثرا في المشاهد، وأن الأعمال الجدارية هي الأقدر على خلق عالم يستغرق فيه زائر المعرض وترتوي عيناه من مساحات لوحاته.

وإزاء لوحات صغيرة لا تتجاوز حجم الكف سيذهب بعض النقاد إلى القول: ما كان صغيره يكفي فإن كبيره نافل, زائد عن الحاجة, سوى الإبهار المؤقت من خلال توسيع مساحة اللوحة, ذلك أن الإبداع لا يستمد رفعته وبراعته -وفق التنظير الجديد للناقد- من التزيد في الكلام أو من اتساع الرقعة التي يشغلها!

التعميم واتخاذ قواعد إزاء الأدب والفن سادا في مرحلة من تاريخ الاتحاد السوفياتي -عهد ستالين- إذ كانت تُفرض على المبدعين في مختلف حقول الأدب والفن التشكيلي والمسرح والسينما موضوعات بعينها، وفق أساليب محددة للوصول إلى خلاصات بذاتها تخدم أهداف الثورة آنذاك!

الآن، تجاوز الزمن تعسّف ذلك العهد, وفتحت الآفاق أمام المبدعين بقوة الحياة وثرائها الأوسع رحابة، والأغزر تنوعا، والأعمق رؤى، والأوفر تجديدا من أن نلجمها، ونحدد فضاءها، ونحشر تعبيراتها الإبداعية حشرا في أيديولوجيات فكرية وسياسية أو مرادفاتها التنظيرية الأدبية والفنية.

نُعجب أو لا نُعجب، نحب أو لا نحب، نعتبره فنا أو مجرد صرعات.. هذا حق المتلقي وشأنه، تماما كما هو حق صاحب العمل وشأنه، من دون أن نشتق من تجارب هذا أو ذاك أي مذاهب وأسس وقواعد لتعميمها

لا معنى، ولا ضرورة لتعميم تجربة كاتب بعينه على الكتابة ككل، ولا تجربة فنان بذاته على الفن بشكل عام. سيظل للأدب والفن, ومختلف أنواع التعبير الإبداعي طرائق خاصة تتجلى بها، وأساليب متعددة تظهر من خلالها، نقبلها في ذاتها أو نرفضها، ندرجها في السياق الإبداعي أو نخرجها منه، يعود الأمر في هذا إلى ذائقة المتلقي الفرد وحده.

حتى إزاء المتغيرات التي شهدتها تجربة أم كلثوم الغنائية الموسيقية مثلا عبر إدخال آلتي الغيتار الكهربائي والأورغ إلى التخت الشرقي الذي عُرف عن ألحانها، لم يستطع المعجبون بفنها الغنائي أن يتوصلوا إلى رأي واحد إزاء هذه التغييرات، وكذلك الأمر في تجربة فيروز مع أغاني وألحان ابنها زياد التي شهدت اختلافات صريحة في الرأي: هل هبطت فنانتنا الكبيرة بإرثها العظيم أم أغنته وأضافت إليه؟

يمكن لزائر متحف الفن الحديث في باريس أن يشاهد أعمالا فنية تطبيقية معاصرة من ألواح الثلج الملونة أو الأخشاب وقطع غيار السيارات وغيرها إلى جانب أعمال كبار الفنانين المعروفين في العالم مثل بيكاسو ورينوار وشاغال وغيرهم.

نُعجب أو لا نُعجب، نحب أو لا نحب، نعتبره فنا أو مجرد صرعات.. هذا حق المتلقي وشأنه، تماما كما هو حق صاحب العمل وشأنه، من دون أن نشتق من تجارب هذا أو ذاك أي مذاهب وأسس وقواعد لتعميمها، فما من عمل فني أو منتج أدبي أو نشاط إبداعي يمكن له أن يَجُبَّ ما قبله، أو يقطع الطريق على ما يأتي بعده!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة