أزواد.. تشابك المصالح وصراع الإرادات   
الاثنين 1435/8/12 هـ - الموافق 9/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 5:19 (مكة المكرمة)، 2:19 (غرينتش)

أحمد الأمين-نواكشوط

تواصل الحركات الأزوادية المسلحة اجتماعاتها التشاورية في الجزائر، بغية الخروج بموقف موحد للوصول إلى أرضية وفاق سياسي بين أطراف النزاع في شمال مالي، وتقديم رؤية موحدة لشروط الحركات للتفاوض مع الحكومة المالية، وتحديد الجهات المخولة للوساطة، بعد رفض الحركات وساطة الممثل السامي للرئيس المالي بحجة عدم حياده.

الاجتماعات -التي تجري برعاية الحكومة الجزائرية- تشارك فيها قيادات من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، والحركة العربية لتحرير أزواد، والمجلس الأعلى لوحدة أزواد، وهي الحركات الثلاث الأكثر تأثيرا في الساحة الأزوادية، إذا ما استثنينا حركة أنصار الدين "ذات الخلفية الجهادية"، التي حاولت الجزائر قبل فترة أن تجعلها جزءا من الحل مقابل تخليها عن "خطها الجهادي".

اجتماعات الحركات في الجزائر تأتي بعد وقت قصير من الأحداث التي عرفها الشمال المالي في مايو/أيار الماضي، وطرد القوات المالية من مدينة كيدال، وهي الأحداث التي أعادت إلى الأذهان الأيام التي سبقت الانقلاب العسكري بمالي في مارس/آذار 2012، الذي جاء -في شكله على الأقل- ردة فعل على الهزائم التي تعرض لها الجيش على يد المقاتلين الأزواديين.

وتسعى دول الإقليم والمجتمع الدولي منذ وقت لحل مشكل أزواد من خلال الحوار بين الحكومة المركزية في مالي والحركات المسلحة الرافضة لسيطرة مالي على الإقليم، والساعية للانفصال الكامل أو الحصول على حكم ذاتي واسع الصلاحيات يضمن للأزواديين تولي أمورهم وتسيير شؤونهم.

وقد كشفت الأحداث الأخيرة -وإن بدت ردة فعل على زيارة رئيس الحكومة المالي لمدينة كيدال-  في نظر بعض المراقبين إحباط الحركات الأزوادية من تباطؤ الطرف المالي في فتح حوار جاد حول وضعية إقليم أزواد، وتنفيذ بنود اتفاق واغادوغو الذي مكن من تنظيم الانتخابات الرئاسية السنة الماضية.

وبنفس القدر أعادت الأحداث القضية الأزوادية إلى الواجهة، وكشفت الحاجة إلى وساطة تقرب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة.

أحمد ولد محمد المصطفى: الوسيط المحايد مطلب صعب المنال (الجزيرة نت)

الوسيط المحايد
لكن في ظل تشابك مصالح الأطراف الدولية، وصراع الإرادات الإقليمية في الملف المعقد تعقيد خارطة أزواد السياسية والإثنية، يبقى "الوسيط المحايد" مطلبا صعب المنال، خاصة حين يكون هذا الوسيط  من دول الجوار المنغمسة في الملف، والراغبة في الحضور سياسيا وأمنيا في هذه الرقعة الاستراتيجية من صحراء أفريقيا.

بوركينا فاسو وموريتانيا والمغرب والجزائر أطراف لها تأثيرها المتفاوت، وعلاقاتها القديمة أو الجديدة بأطراف الأزمة في أزواد، وكلها تبحث عن دور ما في هذا الإقليم، وتقدم نفسها سرا أو علانية على أنها وسيط محايد، وكلها تجد في تحالفاتها داخل الحركات من يفضلها ويتمسك بوساطتها ويدافع عن أهليتها لذلك.

لكن كل واحد من هذه الأطراف له نقاط ضعفه المؤثرة في حياده لدى بعض الأطراف في الحكومة المالية وفي الحركات المسلحة، حسبما يقول الصحفي الموريتاني المتخصص بالشأن الأزوادي أحمد ولد محمد المصطفى.

ويقول ولد محمد المصطفي في حديث للجزيرة نت إن "موريتانيا التي توسط رئيسها لوقف إطلاق النار تتمتع بتأثير قوي على قيادات فاعلة بالحركات، ولها علاقاتها وامتداداتها العميقة داخل المجتمع الأزوادي، وتحتضن على أراضيها عشرات الآلاف من لاجئيه، غير أن أطرافا حكومة مالية تتهمها بالانحياز للحركات المسلحة" وقد وصفت رئيسَها إحدى الصحف المالية بأنه "مشعل الحرائق في أزواد".

ولا تبدو الجزائر حسب ولد المصطفى أفضل وضعا من موريتانيا في هذا المجال، فهي رغم تجربتها الواسعة وعلاقتها الطويلة بالملف، ووساطاتها السابقة فيه تظل محكومة بحساباتها الداخلية ومواقفها الإقليمية.

ويرى ولد المصطفى أن "مواقف الجزائر الإقليمية تفرض عليها التصدي لأي محاولة مغربية للحصول على موطئ قدم في المنطقة، وحساباتها الداخلية تمنعها من مساندة أي مطالب بالاستقلال او الحكم الذاتي لئلا تنتقل العدوى إلى مناطق القبائل، مما يعني تناقضها مع الحركات، وتلك نقطة ضعف قد تحد من فعالية الجزائر كطرف مقبول للوساطة.

وبخصوص المغرب يرى أنه "بالكاد وجد موطئ قدم له في الملف من خلال لقاء الملك محمد السادس ببلال آغ الشريف الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير أزواد نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، لكن أي تحرك جدي له كوسيط سيدفع بالجزائر لاستخدام كل أوراقها لإفشال أي تقدم تقف المغرب خلفه".

موسى ولد حامد: فرنسا تخشى تحول أزواد إلى منطقة تهريب للمخدرات والأسلحة
(الجزيرة نت)

تداخلات الصراع
أما بوركينا فاسو فبحكم وساطتها السابقة في الملف وتجربتها في ملفات أفريقية أخرى، تبدو حسب ولد المصطفى أكثر الأطراف قبولا للتوسط بالملف.

ويدعم الصحفي الموريتاني المتابع لشؤون منطقة الساحل الأفريقي موسى ولد حامد هذه الرؤية، لكنه يضيف أن "تداخلات الصراع الإقليمي قد تؤثر على دور بوركينا فاسو، خاصة أن الجزائر قد تعدها أقرب إلى المغرب الذي لعب دورا كبيرا في اختياره لمقعد الأفارقة في مجلس الأمن الدولي".

ويرى ولد حامد أن "بوركينا فاسو تبدو قادرة على التوصل لحل بالمفاوضات، لكنها لا تملك من القوة ما يمكنها من فرض تطبيق أي اتفاق قد يتم التوصل إليه".

ولا تخفي القيادات الأزوادية صعوبة وجود وسيط إقليمي محايد ومقبول من طرف الجميع بفعل ارتباطات الحركات الاجتماعية والسياسية بدول الإقليم، لكن كثيرين منهم يؤكدون تمسكهم بالوسيط البوركيني الذي تدعمه المنظمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.

ويعتبر بعض القادة الميدانيين الأزواديين أن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في مالي قد يكون أفضل وسيط، خاصة أنه امتلك خبرة جيدة في الملف ولا تتحفظ عليه أي الحركات.

ورغم الدور المؤثر لدول الإقليم في الصراع بأزواد، تبقى الكلمة الفصل والتأثير الأقوى في النزاع  لفرنسا التي كانت شاهدة على بدايته وهي اليوم تعيش في أتونه وتمتلك من النفوذ والقوة العسكرية ما يمكنها من فرض الحل على مختلف الأطراف.

ويرى موسى ولد حامد أن "الرؤية الفرنسية للحل بدأت تأخذ منحى جديدا لا يستبعد تمكين الأزواديين من حكم ذاتي في الإقليم أو سلطة واسعة في تسيير شؤونه، وأنها محكومة في ذلك برغبتها في استقرار المنطقة ووجود سلطة محلية قادرة على مواجهة الحركات الإسلامية المتشددة المتحاربة معها".

لكن ولد حامد يلاحظ أن "التوجه الفرنسي الجديد لا يزال خجولا وحذرا، نظرا لخشية الفرنسيين من تحول الإقليم تحت سلطة الأزواديين إلى منطقة تهريب للمخدرات والأسلحة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة