"حرّاس الماء".. المستقبل بعيون إيمي إيتورانتا   
الأربعاء 1435/10/18 هـ - الموافق 13/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 11:10 (مكة المكرمة)، 8:10 (غرينتش)

هيثم حسين

تتخيل الفنلندية إيمي إيتورانتا (ولدت في هلسنكي 1976) في روايتها "حرّاس الماء" مستقبلا معتما للبشرية على كوكب الأرض، وتصوّر عصراً قادماً يندر فيه الماء العذب، ويكون الصراع على أشدّه بين القوى الساعية للهيمنة على ينابيع المياه وتأمينها للاستمرار على قيد الحياة.

تفترض إيتورانتا في روايتها -ترجمة علاء الدين أبو زينة، دار المنى، السويد، 2014- التي تنتمي إلى أدب الخيال العلميّ، أنّ عصر حروب الماء يعقب عصر الحروب والصراعات على النفط، وتصوّر حجم الدمار الذي يتعرّض له الكوكب جرّاء جشع الإنسان وجنونه للسيطرة والثراء، وما ينتجه من مآسٍ، إذ تتهدّم الكيانات القديمة بحسب تصويرها للعصر القادم، وتتغيّر الخرائط وأسماء القارّات، وتختلف المسافات والأبعاد، ويتغيّر البشر تبعاً للزمن الذي يجدون أنفسهم فيه، وتبعاً لحاجاتهم المستجدّة.

تستعين الكاتبة في سبيل إيصال فكرتها ورسم عوالمها بخلق عوالم كابوسيّة مرعبة، من بينها صور حرب العوالم، استنزاف الطاقات، الحصص من المياه في أزمنة الحروب والجفاف القادمة من عصور تنذر بالكوارث، ميراث الدم والقتل والجنون، أشباح مدن مندثرة، ذاكرات شعوب بائدة، بقايا آثار بشر في طريقهم إلى الاندثار، صور اختراعات سابقة لم تعد تجدي شيئاً، ولا تسعف في شيء، لعنة الأمكنة والأزمنة.

عصب الحياة
تقسّم الكاتبة روايتها إلى ثلاثة أجزاء: "حرّاس الماء"، "الفضاء الأخرس"، "الدائرة الزرقاء"، تمهّد لكلّ جزء بمقطع من كتاب مفترض "طريق الشاي" ممّا تطلق عليه أنّه من القرن السابع من عصر تشيان القديمة. ويحمل افتراض القديم في المستقبل نوعاً من المناقضة في الوقت نفسه، وهو ربّما يحمل تعبيراً عن إعادة تدوير ما كان، والاشتغال من البداية بما يمثّل نوعاً من عود على بدء في تطوّر الإنسان وسيرورة الحياة على الأرض.

وتصوّر إيتورانتا كيف أنّ مدن ناطحات السحاب تصبح شيئاً من الماضي، ذلك أنّ التحصّل على الماء يكون غاية الجميع، وتوقف السلطات الحاكمة في الممالك الجديدة الناشئة قدراتها وطاقاتها كلّها لاكتشاف ينابيع المياه العذبة والسيطرة عليها لأنّها تشكّل عصب الحياة. وبالمقابل تمنع عن الناس الماء إلا بكمّيات محدودة لا تكاد تروي غليلهم.

تلتزم نوريا بتعويذة معلّمي الشاي التي تقول: أنا حارس الماء. أنا خادم الشاي. أنا راعي التغيير. لن أقيّد ما ينمو. لن أتمسّك بما ينبغي أن ينهار. طريق الشاي هو طريقي

ضمن تلك الأجواء يحظى معلّمو الشاي بامتيازات خاصّة، تحظى طقوس صنع الشاي وتقديمه بأهمّيّة خاصّة، سواء من السلطة أو الناس، ويتوارث معلّمو الشاي أسرار الصنعة، يسلّمونها لورثتهم فقط، ويكون كلّ معلّم شاي موكولاً بأسرار تتجاوز صناعة الشاي، وتصل إلى المساهمة في المحافظة على حياة الأهالي في المناطق التي يتواجدون فيها. فيكون بيت الشاي، بيتاً للشعب، بيتاً للأمان، وبيتاً للأمل.

نوريا بطلة الرواية، هي ابنة أحد معلّمي الشاي في قرية صغيرة، وأمّها باحثة في إحدى الجامعات. تقرّر نوريا أن تصبح معلّم شاي، برغم أنّ الصنعة امتياز الرجال، ولم يسبق أن تمّ الاحتفال بمراسم تنصيب فتاة كمعلّم شاي. يطلعها والدها على سرّ كبير، ويقودها إلى مكان يخبرها بأنّه يفترض ألا يكون موجوداً، يذهبان عبر أحد الكهوف إلى ينبوع ماء عذب، ويخبرها بضرورة عدم إفشاء السرّ لأحد لأنّ إفشاءه يعني اطّلاع الجيش عليه، وبالتالي حرمان الأهالي منه.

تلتزم نوريا بتعويذة معلّمي الشاي التي تقول: "أنا حارس الماء. أنا خادم الشاي. أنا راعي التغيير. لن أقيّد ما ينمو. لن أتمسّك بما ينبغي أن ينهار. طريق الشاي هو طريقي" وتضعها شعارها الحياتيّ، كما تكون بوصلتها للتشبّث بدورها وحلمها ويقينها في التأسيس لعصر أفضل، لكنّ تكالب القوى عليها يشوّش عليها، ويضعف تأثيرها، ويخفّف من سيرها نحو هدفها، ويصل إلى تعطيل طاقاتها لعدم قبولها التعاون مع أعداء الحياة والماء.

فلسفة الماء
تعيش نوريا صراعاً شرساً في داخلها، فتضطرّ لإخبار صديقتها الوفيّة سانيا بسرّها وتشترك معها في الزيارات، تتفانى هي بدورها في المحافظة على السرّ، تجهد معها لإيجاد مخارج للأزمة المائيّة الخانقة، وتجهّز عربة للبحث عن ينابيع محتملة في الأرض المفقودة الموعودة. لكنّ الخيبة تكون في الانتظار، وذلك في ظلّ انكشاف الأمر وافتضاح السرّ، وقيام السلطات بمعاقبة نوريا وأهل القرية.

لا تختم الكاتبة روايتها بانتصار الخير على الشرّ، ولا بنهاية سعيدة تعود فيها البشريّة إلى أمجادها، بل تنذر بوجوب استنفار القوى للحؤول دون تجدّد الكوارث، والبحث عن حلول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بحيث أنّ الخيال يجب أن يتوجّه إلى البناء لا إلى التدمير، ووجوب تخفّف البشر من نوازع الشر الكامنة في التحكّم بالآخر ووضع القيود عليه، والسعي للتعاون معه لإيجاد مشتركات للعيش وخلق أرضيّة لذلك. وتحمل جملتها الأخيرة أملاً لا بدّ منه في مواجهة حاضر قاهر: "العالم غبار ورماد هذا الصباح، لكنّه ليس خالياً من الأمل".

لا تختم الكاتبة روايتها بانتصار الخير على الشرّ، ولا بنهاية سعيدة تعود فيها البشريّة إلى أمجادها، بل تنذر بوجوب استنفار القوى للحؤول دون تجدّد الكوارث، والبحث عن حلول إنقاذ ما يمكن إنقاذه

تتحدّث إيتورانتا عن فلسفة الماء، عن فقهه وعظمته ودوره في إنقاذ الحياة، تؤسّس له ذاكرة تنضح بالأمل. وتوجب المحافظة عليه كأعظم الأسرار والثروات، وعدم التفريط به تحت أيّة ذريعة، لأنّ القادم ينذر بما هو أسوأ، بحيث قد تتحوّل قطرة الماء إلى حلم غير مقدور عليه، وإلى أعظم الأماني. تشير إلى دور المرأة الهامّ في المحافظة على سرّ الحياة، ولغزها، ومساهمتها في حماية الكوكب وإنقاذه من يد جنرالات الحروب الذين تقودهم شهوة القتل إلى مسارح العبث والجنون.

وتصف إيتورانتا كيف يتمّ التعدّي على الثروة المائيّة، وتنذر بشحّ المياه على الأرض، جرّاء الحروب التي تلوّث المياه، وتبدّد الثروة، وتشير إلى أنّ التغيّرات الجيولوجيّة العاصفة ستخلق أجيالاً عطشى يقودها الهوس للهيمنة على الموارد المائيّة أكثر من الشهوة التي تتحكّم بالبشر راهناً في حروبهم النفطيّة المستعرة.

وتنذر الروائية الفنلندية ببربريّة مستقبليّة قادمة تلي البربريّة الراهنة، وربّما تتفوّق عليها في وحشيّتها، ويكون عملها بمثابة إشعار بضرورة التحرّك لإيقاف الانهيار المرتقب والسقوط في هاوية العطش والعدم معاً. ويكون مرتكزها الأساس ومنطلقها الأبرز متجسّداً في مقولتها الرامية إلى عدم تحويل نعمة الماء إلى لعنة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة