أطفال سوريا.. اعتياد الحياة تحت القصف   
الأحد 8/5/1435 هـ - الموافق 9/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:57 (مكة المكرمة)، 15:57 (غرينتش)
أطفال ريف اللاذقية يعيشون حياتهم بشكل طبيعي رغم القصف (الجزيرة)

عمر أبو خليل-ريف اللاذقية

بات القصف اليومي المتواصل جزءا من حياة سكان ريف اللاذقية، ورغم أنه الجزء الأكثر سوداوية ورعبا في أيامهم العجاف القاسية أصلاً، فإنهم ألفوا سقوط القذائف والبراميل المتفجرة فوق بيوتهم، ولم يعد -رغم الفجيعة- حدثاً مهما سقوط جرحى أو قتلى في صفوفهم.

كثيرة هي قصص المآسي والفواجع وسط الأسر السورية في هذه المنطقة الواقعة شمال غرب سوريا، ومن بينها ما حلَّ بعائلة أبو عاصم.

يروي أبو عاصم مأساته للجزيرة نت قائلاً "خرجت ذات يوم لأستطلع الخسائر التي نجمت عن سقوط صاروخ على بعد أمتار قليلة من منزلي. ولم أكد أبلغ المكان حتى فوجئت بصاروخ ثانٍ يضرب باحة منزلي. هُرعت إلى المنزل، فوجدت ابنتي وحفيدي وقد تقطعت أوصالهما جراء الانفجار فطفقت ألملم أشلاءهما. عرفت بعد ذلك أنهما كانا يقفان وسط باحة المنزل لمشاهدة آثار الصاروخ الأول".

وبدا الحزن الشديد على محيا أبو عاصم على فقدان حفيده الوحيد. وقال بصوت متهدج "إنه صغير، ما ذنبه؟".

الرغبة بالحياة

أطفال ريف اللاذقية يلعبون غير آبهين بالقصف المتواصل (الجزيرة)

كل أطفال الريف معرضون للمصير ذاته، لا سيما أنهم باتوا يتعاملون مع القصف على أنه حدث عادي، لا يحتاطون له، يذهبون للمدارس، ويلعبون كرة القدم، ولم يعد ذووهم يهتمون للإجراءات الاحترازية الوقائية لحمايتهم.

أبو عمر -معلم بإحدى مدارس ريف اللاذقية- وصف التعامل مع القصف المتكرر بأنه الرغبة في الحياة والاستمرار، وهذا ينطبق على الأطفال.

وقال "بما أننا غير قادرين على توفير جو أكثر أماناً لهم، فيجب أن نتركهم ليعيشوا حياتهم، دراسة ولهواً، فلربما يساعدهم ذلك على نسيان الحصار والجوع والقصف".

ويتفق معظم الأهالي على ضرورة التأقلم مع الوضع القائم. وهذا أبو واصف يؤكد ذلك بقوله "كنا نخاف في بداية الأحداث ونهرب بأولادنا إلى المغاور والكهوف، نقضي ساعات طويلة هربا من القصف، لكن استمراره دفعنا للبقاء في منازلنا، والسماح لأطفالنا بإشباع هواياتهم، لا نريد دفنهم أحياء".

وللأطفال رأي مشابه، فهذا عبد القادر ترك مداعبة الكرة برهة ليتحدث للجزيرة نت قائلاً "يزعجنا القصف عندما تسقط القذائف قريبا من البيوت، فنضطر لترك اللعب لنتحرى عما إذا كانت القذيفة أصابت أحدًا من القرية أو هدمت منزلاً". وقال الصبي وسيم بنبرة ملؤها التحدي "فليقصفوا ما شاؤوا، سنلعب كما نريد، سحقاً لهم".

وكان غريباً رأي الطفل مصطفى الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، حيث اعتبر أن حياته لا معنى لها وأن روحه ليست أغلى من أخيه الشهيد، وأنه سيفعل ويعيش كما يريد، "مسجونون في القرية، لا شيء نخسره، ليس هناك فرق كبير بين حياتنا والموت، ربما الموت أسهل منها"، قالها بلامبالاة، ثم هرول عائداً ليواصل لعب كرة القدم مع رفاقه.

أطفال سوريا يلعبون تحت القصف في المدرسة أيضا (الجزيرة)

إعادة تأهيل نفسي
ونظرا لعدم وجود طبيب نفسي في المنطقة، سألت الجزيرة نت وجيه أستاذ الفلسفة السابق عن توصيفه لحالة الأطفال تحت القصف ومساواة بعضهم الحياة بالموت، فأكد أن ضيق الحال، وعدم قدرة السكان على تغيير مكان إقامتهم مع أطفالهم، فرض قبول الواقع شيئا فشيئاً، مما ترك أثراً سلبياً كبيرا على تنشئة الأطفال.

وأضاف أن تكرار سقوط الشهداء جراء القصف والمعارك جعل فكرة الموت أكثر قبولاً لدى الأطفال، حتى كادوا يفقدون الإحساس بالحزن والبكاء، وهي مشاعر ضرورية لتفريغ شحنة الألم من صدورهم.

وتابع القول "بات أطفالنا بحاجة لترميم نفسي، وإعادة تأهيل مكوناتهم الشخصية، لكن ذلك لا يمكن أن يتم إلا بعد توقف القصف، وعودتهم إلى الحياة الطبيعية". 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة