كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام المجلس التشريعي   
السبت 1428/2/27 هـ - الموافق 17/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 18:12 (مكة المكرمة)، 15:12 (غرينتش)

فيما يلي نص كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أمام المجلس التشريعي الذي انعقد يوم 17 مارس/آذار 2007 لإقرار برنامج وتشكيلة حكومة الوحدة الفلسطينية التي شكلها رئيس الوزراء المكلف إسماعيل هنية:

بسم الله الرحمن الرحيم

"الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله". الأخوات والإخوة رئيس وأعضاء المجلس التشريعي الكرام أبناء شعبنا الفلسطيني العظيم في الوطن والشتات، أيها الصامدون في سجون الاحتلال ومعتقلاته. يا أبنائي وأحبتي أبطال هذا الشعب الذي قدم عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى في سبيل الحرية والاستقلال الوطني. يا نساء ورجال شعبنا الصامدين في القدس الشريف وفي كل أرجاء الوطن والمخيمات.

أيها السادة الضيوف ممثلو البعثات العربية والأجنبية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا" صدق الله العظيم.

ندخل اليوم مرحلة جديدة في كفاحنا الوطني لاستعادة أرضنا المحتلة ولإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، والعنوان الكبير لهذه المرحلة هو وحدتنا الوطنية الراسخة وقرارنا الوطني المستقل الذي انتزعناه بدماء قوافل الشهداء على مدى عشرات السنين بقيادة رمزنا وقائدنا الخالد الشهيد ياسر عرفات وكل رفاقه الأبطال.

واليوم نكمل المشوار ونواصل المسيرة الوطنية التي حققت لشعبنا إنجازات تاريخية تجسدت باعتراف العدو قبل الصديق والعالم بأسره بأن الشعب الفلسطيني له ممثل شرعي ووحيد هو منظمة التحرير الفلسطينية، وأن قضيته العادلة هي قضية تحرر وطني واستقلال ومساواة أسوة بسائر شعوب ودول المنطقة. ونعتز اليوم بأن نقول إن كل أشكال الكفاح الذي مارسناه في مختلف الساحات والميادين أثمرت قبل أكثر من عشر سنوات قيام سلطتنا الوطنية المستقلة ومؤسساتها وتجربتها الديمقراطية، على طريق إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطين المستقلة، التي ستضمن لشعبنا السير على طريق التقدم والازدهار ومواكبة روح العصر، والتغلب على تراث التخلف والبؤس وكل معاناة المراحل الماضية.

إن مسيرتنا التي استمرت أكثر من أربعة عقود، كانت حافلة بمحطات مضيئة، كان أبرزها إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، والذي أكد على أهدافنا الوطنية، وعلى البعد الاجتماعي لدولتنا الديمقراطية، وعلى مساواة المرأة مع الرجل، وعلى احترام كل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم الإنساني. كما أثمرت مسيرتنا برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وما ترتب عليه من تعزيز لمكانتها العربية والدولية.

وخطواتنا التي نقطعها اليوم بعد اتفاق مكة المكرمة إنما تشكل استمراراً لتلك المسيرة، وتعزيزاً لها، واستكمالاً لما لم يتحقق بعد من أهداف وطنية، وفي المقدمة منها إنهاء الاحتلال لأراضينا التي احتلت عام 1967 بما فيها القدس الشريف، وتأمين حل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194، وكما ورد في قرار مجلس الأمن الدولي 1515.

لقد اتخذت منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 قرارها التاريخي بإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية بكل مؤسساتها كامتداد لها داخل الوطن، وسيبقى هذا الارتباط راسخاً وممتداً حتى يوم التحرير والاستقلال وتحقيق أهدافنا الوطنية المشروعة.

ونود أن نؤكد في هذه المناسبة، في يوم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أن سلطتنا الوطنية ومرجعيتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، ستحافظ على صوتها وموقفها الواحد والموحد، انطلاقا من التزامنا ببرنامجنا الوطني وبكافة الالتزامات والاتفاقيات التي وقعنا عليها وقطعناها على أنفسنا، مستندين إلى مبادرة السلام العربية، التي تشكل عناصرها وأسسها برنامج سلام حقيقي ومتكامل.

ولا بد في هذا المجال من التأكيد مجددا أننا ننبذ العنف بكل أشكاله، ونسعى إلى حل يستند إلى الشرعية الدولية عبر المفاوضات التي نرحب اليوم بأن يتم استئنافها وصولاً إلى سلام شامل وعادل، بعيداً عن المراوحة والحلول المجزوءة والانفرادية، كالدولة ذات الحدود المؤقتة، وندعو بناء على ذلك إلى الالتزام المتبادل من قبل إسرائيل بوقف كل أشكال العنف والاعتداءات والاغتيالات وغيرها من الممارسات التي تجري يومياً ضد شعبنا.

وأود أن أؤكد في هذا اليوم أن القدس الشريف سوف تبقى عنوان كل حل عادل، وأن تخليصها من أسر الاحتلال هو هدف أسمى من كل الأهداف، وهو الذي سيضمن حماية مكانتها كمركز للتسامح الديني والتعايش الإنساني وحسن الجوار.

أيتها الأخوات أيها الإخوة:

في عرس الوحدة الوطنية الذي نشهده اليوم، أود أن أعبر عن تقديرنا الكبير لهذا الترحيب العربي والعالمي بقيام حكومة الوحدة الوطنية، ونأمل أن يتحول هذا الترحيب إلى خطوات ملموسة لإنهاء الحصار الظالم، وتمكين شعبنا وسلطتنا بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية من معالجة كل القضايا المطروحة على جدول أعمال الحكومة الجديدة. ويأتي في مقدمة هذه القضايا إنهاء الفلتان والفوضى الداخلية وفرض الأمن وسيادة القانون، وصيانة التهدئة بشكل تام، وكذلك استئناف مسيرة الإصلاح والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتغلب على البطالة واتساع الفقر وحالة الانهيار الاجتماعي وهجرة الكفاءات ورؤوس الأموال التي تزايدت معدلاتها بشكل خطير.

ويتطلع شعبنا بعد هذا الإنجاز إلى القمة العربية القادمة التي ستعقد في رحاب خادم الحرمين الشريفين راعي اتفاق مكة المكرمة، بأن تبادر الدول العربية الشقيقة لدعم هذه المسيرة والمساهمة الفعالة في إنهاء الحصار، وفي تعزيز صمود شعبنا ومؤسساته الوطنية، وفي التحرك الفعال لتوفير الآلية الضرورية من أجل وضع مبادرة السلام العربية موضع التطبيق بالتعاون مع الجهات الدولية المعنية وبشكل خاص اللجنة الرباعية الدولية، وذلك وصولاً إلى تحقيق رؤية الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن حل الدولتين، وإقامة السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، ونحن من هنا ندعو إلى عدم تعديل المبادرة العربية، وأن تبقى كما هي، ومن ثم تبنيها من قبل القمة، كما تم تبنيها عام 2002.

كما أود في هذا اليوم أن أتوجه إلى الشعب الإسرائيلي وحكومته وأحزابه بأننا مستعدون بدون أية قيود للسير في طريق السلام العادل عبر استئناف المفاوضات بين حكومة إسرائيل وبين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وأؤكد بهذه المناسبة أن طريق الاستيطان وبناء جدار العزل وحصار القدس لا يقرب يوم السلام الراسخ بيننا بل يجعل الطريق نحو السلام أكثر تعقيدا وصعوبة، إننا نمد يدنا من جديد لتحقيق سلام الحرية والمساواة، سلام يعطي الأجيال القادمة أملا عظيما في التعايش وينهي عهود الآلام والمعاناة ودورات العنف، سلام مبني على العدل والحق.

أيتها الأخوات والإخوة:

أؤكد في هذا اليوم لأبنائنا الأبطال في سجون الاحتلال أن قضيتهم سوف تظل تحتل الأولوية في مقدمة جهودنا وعملنا اليومي، وأن تحريرهم من الأسر ومن قيود السجن هو هدف مستمر نسعى إليه بدون كلل، وسنعمل على إطلاق سراح كل سجين بمن فيهم القادة المناضلون والإخوة رئيس وأعضاء المجلس التشريعي والوزراء وأعضاء المجالس البلدية.

وأؤكد كذلك أننا سنبذل أقصى الجهود لإطلاق سراح الجندي الإسرائيلي في إطار عملية تبادل للأسرى، وذلك وفق ما يقوم به أشقاؤنا في مصر من مساعٍ حميدة، كما أود أن أقول لأبنائنا في مخيمات الشتات:

إننا سنبقى ندافع عن حقوقهم وقضيتهم العادلة بمختلف الوسائل وفي جميع الميادين، وسنعمل من أجل حماية أبنائنا في العراق من الاعتداءات التي يتعرضون لها، ونحن في تواصل مع أشقائنا في القيادة العراقية لتأمين الحماية اللازمة لأبناء شعبنا هناك.

وسوف نسعى خلال الفترة المقبلة، وفي إطار التزامنا القاطع بما توصلنا إليه في اتفاق مكة، إلى تطوير دور منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وتفعيل هذا الدور، وضمان مشاركة وطنية شاملة في أطرها كافة.

أيتها الأخوات، أيها الإخوة:

أود باسمكم أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى جميع أشقائنا في البلدان العربية، وهنا أذكر المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية ودولة قطر والإمارات، تلك الدول التي ساهمت في وصولنا إلى هذا الاجتماع، لكنني لن أنسى أشقاءنا جميعا، الذين رفعوا أصواتهم عالياً تأييداً وتقديراً لاتفاق مكة المكرمة. كما أذكر لبنان والعراق والكويت والبحرين وعمان واليمن والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وكل الدول العربية دون استثناء، وكذلك الدول الإسلامية ودول عدم الانحياز، وكثير من الدول الأوروبية التي أيدت بشكل مباشر أو غير مباشر اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي سيسهل علينا إن شاء الله أن ننطلق إلى مستقبل أفضل.

ونعاهد شعبنا العظيم أننا سنظل متمسكين بأهداف الوحدة الوطنية ونحميها ونطورها، وأننا سنبقى أمناء على التراث الكفاحي، الذي نحمل رايته اليوم دفاعاً عن فلسطين الوطن والشعب والمستقبل. وسنظل ندافع عن تراثنا المجيد الإنساني والثقافي وقيمنا الإنسانية والحضارية والديمقراطية، لأن فلسطين تحيا كلما نظرت إلى الأمام وكلما تعزز دورها في مسيرة التقدم الإنساني.

وفقكم الله في تحمل هذه المسؤولية، إخوتي رئيس وأعضاء المجلس التشريعي، وفقكم الله في مداولاتكم اليوم بخصوص منح الثقة للحكومة الفلسطينية الحادية عشرة، وأعتقد أن رسالة المخطوفين في السجون أكبر تعبير عن منح هذه الثقة ولا أريد أن استبق الأحداث وستجدون مني كل دعم وإسناد لإنجاز المهام الكبرى التي تواجهنا جميعا، والتي إن أردنا أن ننجح في التصدي لها، فعلينا أن نكون مجتمعين وموحدين.

بسم الله الرحمن الرحيم "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم.

والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة