مشروبات خفيفة وأسئلة صعبة   
الجمعة 1437/10/25 هـ - الموافق 29/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)

في مارس/آذار الماضي أعلنت الحكومة البريطانية أنها تعتزم فرض ضريبة على المشروبات السكرية عام 2018 لوقف انتشار البدانة في مرحلة الطفولة. ويعتمد نجاح هذه الضريبة -التي ستُناقَش هذا الصيف- في تحقيق أهداف الصحة العامة المرجوة منها، على التفاصيل والتقييم الدقيق لآثارها.

والمملكة المتحدة ليست وحدها في القلق بشأن ارتفاع المعدلات العالمية للإصابة بالأمراض المرتبطة بالسِمنة مثل السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، وهي الحالات المرضية المكلفة التي قد تؤدي إلى إعاقة كبيرة ووفاة مبكرة. وقد فرضت دول عديدة -أو تفكر في فرض- الضرائب على الأطعمة والمشروبات غير الصحية، وخاصة تلك التي يضاف إليها السكر.

فعلى سبيل المثال، تفرض تشيلي ضريبة نسبتها 18% على المشروبات الغنية بالسكر، وتفرض فرنسا ضريبة على المشروبات التي يضاف إليها السكر والمُحلّيات الصناعية، وتفرض المجر الضرائب على الأطعمة والمشروبات التي تحتوي على مقادير عالية من السكر والملح والكافيين. ومؤخرا، أصبحت فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا أكبر مدينة في الولايات المتحدة تفرض ضريبة على المشروبات المحلاة.

وتعمل هذه الضرائب الغذائية على أكثر مستويات التغير السلوكي المتاحة فعالية لدى صناع السياسات: الأسعار. ولكن من السابق للأوان أن نجزم بأن رفع الأسعار يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الاستهلاك وبالتالي تمكين نتائج صحية أفضل، إذ تعتمد فعالية أي ضريبة على تصميمها واستجابة المستهلكين والصناعات الغذائية للحوافز التي توجدها.

أظهر فرض الضرائب على المشروبات السكرية في المكسيك وبيركلي في كاليفورنيا استعداد الصناعة لمقاومة التشريع الذي ربما يؤدي إلى انخفاض أرباحها.

وتشير الدلائل إلى أن هذه الضرائب أسفرت فعليا -بمجرد فرضها- عن تغير في السعر للمستهلكين الذين أصبحوا نتيجة لذلك يشترون كميات أقل من المشروبات السكرية.

أظهر فرض الضرائب على المشروبات السكرية في المكسيك وبيركلي بكاليفورنيا
استعداد الصناعة لمقاومة التشريع الذي قد يخفض أرباحها (دويتشه فيله)

وقت طويل
ولكن من المؤسف أننا لا نعرف إلا القليل عن تأثير هذه الضرائب على الصحة العامة. ذلك أن تطور السِمنة والأمراض المرتبطة بها يستغرق وقتا طويلا، ومن الصعب للغاية عزل تأثير الضرائب على المواد الغذائية عن التغيرات الناجمة عن سياسات صحية واتجاهات ثقافية أخرى.

ولكن التنميط الحسابي والمنطق البسيط يشيران إلى أن هذه الضرائب ستعمل على تحسين الصحة، وقد جرى إطلاق تقييمات مفصلة في المكسيك وأماكن أخرى لقياس التأثيرات كميا.

من المثير للاهتمام أن كل الضرائب المفروضة على المشروبات السكرية -سواء في فرنسا أو المجر أو المكسيك أو تشيلي- هي ضرائب مبيعات، وهي تؤدي بشكل مباشر إلى زيادات في الأسعار عند نقاط البيع، وغالبا بما يتناسب مع حجم المشروب. ففي المكسيك مثلا، تبلغ الضريبة بيزو واحد لكل لتر، وهذا يعني ارتفاع السعر بنحو 10%.

وهنا يختلف مخطط المملكة المتحدة المقترح، فقد أعلن وزير الخزانة السابق جورج أوزبورن عن ضريبة من مستويين، بهدف واضح يتلخص في تشجيع الصناعة -وليس المستهلكين- على تغيير السلوك.

بموجب خطة أوزبورن، ستتقاضى السلطات من صناعة المشروبات السكرية نحو 18 بنسا (0.24 دولار) لكل لتر من المنتجات التي تحتوي على 5 إلى 8 غرامات من السكر في كل 100 ملل من السائل، ونحو 24 بنسا لكل لتر من المشروبات التي تحتوي على أكثر من 8 غرامات من السكر لكل 100 ملل.

إعادة صياغة المنتجات
يعني ذلك أن الضريبة على "سبرايت" -مثلا- التي تحتوي على 6.6غ لكل 100 ملل، ستكون عند حدها الأدنى. أما الضريبة على كوكاكولا التي تحتوي على 10.6غ لكل 100 ملل، فستكون عند حدها الأعلى. وستستخدم الإيرادات لدعم البرامج في المدارس وتوسيع أندية الإفطار.

في بيان الميزانية، تحدى أوزبورن صناعة المشروبات السكرية أن تستجيب لاقتراحه بإعادة صياغة منتجاتها، وأن تشجع المستهلكين على التحول إلى المشروبات التي تحتوي على كميات أقل من السكر، وخفض أحجام الوجبات.

وقد لاقت الضريبة المقترحة ترحيبا واسع النطاق من قِبَل منظمات الصحة العامة والنشطاء. ولكن، لأن إلقاء العبء على الصناعة نهج مختلف عما يجري تنفيذه في أماكن أخرى، فلا يمكن التكهن بالتأثيرات بشكل كامل. فمثلا، لا شيء قد يمنع أي شركة من رفع الأسعار عبر نطاق منتجاتها، وبالتالي محو أي فارق في السعر بين المشروبات الغنية بالسكر والبدائل المنخفضة السكر.

وتشكل إمكانية إعادة صياغة المقترحات الحالية والداخلين الجدد إلى السوق المزيد من أسباب عدم اليقين المهمة. ففي العام 2014، قدمت كوكاكولا بديلها الجديد المنخفض السكر تحت اسم "كوكاكولا لايف". ومن خلال تعليبه المتميز الأخضر وصورته الناصعة التي اكتسبها عبر الحملات الإعلانية، استولى المنتج الجديد على أكثر من 2% من إجمالي مبيعات كوكاكولا في العام الأول بعد تقديمه. ولكن من غير الواضح هل هذه المبيعات الإضافية راجعة إلى مستهلكين كانوا سيتناولون -لولا ذلك- كوكاكولا كاملة المحتوى من السكر، أو نسخة الدايت من المشروب الغازي، أو مشروبات أخرى مثل عصير الفواكه أو الماء.

في بيانه، استبعد أوزبورن صغار المنتجين من التشريع، ولكنه لم يحدد من هم هؤلاء الصغار. وقد يشجع هذا توسع وتنويع منتجات صغار المنتجين مع ميزة السوق.

وأخيرا، اقترحت الحكومة أن الصناعة ينبغي لها أن تنظر في تقديم حصص أصغر، ولكن البنية الأساسية لعمليات البيع والتخزين القائمة مصممة لعبوات معدنية سعة 330 ملل وقوارير سعة 500 ملل. وأي تغيير كبير يتطلب تحولا يشمل الصناعة بالكامل في ما يتعلق بالتعبئة والتوزيع.

إجراء قانوني
لقد بدأت المناقشة بالفعل، إذ تفكر صناعة المشروبات الخفيفة بالمملكة المتحدة في اتخاذ إجراء قانوني بدعوى أن الضريبة مخالفة لقواعد المنافسة، لأن عصائر الفاكهة النقية والحليب المحلى مستبعدة من التشريع (مثال: تحتوي "مارس" و"ميلك شيك" على 12.8غ من السكر لكل 100 ملل). ومن ناحية أخرى، يريد بعض النشطاء ضم الأطعمة الغنية بالسكر -مثل الحلويات والكعك- إلى التشريع المقترح.

سيراقب العالم المملكة المتحدة باهتمام، لأن تبني نهجها من قِبَل دول أخرى سيكون أسهل على المستوى السياسي. ومؤخرا، أصبحت إيرلندا آخر دولة تعلن اعتزامها فرض ضريبة على المشروبات السكرية.

إذا استجابت الصناعة للضريبة بإعادة صياغة منتجاتها وتغيير إستراتيجيات التسويق، وإذا أدى هذا إلى انخفاض معدلات استهلاك السكر في المملكة المتحدة، فإن هذا يعني نجاح الضريبة. ولكن تحقيق هذا سيتطلب حرص صناع السياسات على الإعداد الجيد للتشريع، وضمان تقييم آثاره على النحو اللائق.
_______________
* آدم بريجز، زميل تدريب بحوث ويلكوم ترست لدى مركز مؤسسة القلب البريطانية للأساليب السكانية في الوقاية من الأمراض غير المعدية.
** مايك راينر، أستاذ صحة السكان لدى قسم نوفيلد لصحة السكان ومدير مركز مؤسسة القلب.
*** بيتر سكاربورو، كبير باحثين لدى مركز مؤسسة القلب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة