تغويز الفحم.. مصدر للطاقة يثير مخاوف بيئية   
الاثنين 1436/9/27 هـ - الموافق 13/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:46 (مكة المكرمة)، 16:46 (غرينتش)

* م. أمجد قاسم

استخدم الإنسان الفحم الحجري مصدرا للطاقة منذ القدم، وحتى أواخر القرن التاسع عشر كان الفحم المصدر الأول للطاقة في العالم حتى اكتشاف النفط، ويعتبر الفحم الوقود الأحفوري الأكثر وفرة في الأرض إلا أن نسبته القابلة للاستخراج بسهولة تتراوح بين 15 و20% فقط من مجمل الفحم الموجود على الأرض، أما النسبة الأكبر منه فتكون في أعماق سحيقة في الأرض يصعب استخراجها والاستفادة منها أو تكون موجودة تحت مياه البحار كما في المنطقة الواقعة تحت بحر الشمال أو تكون موجودة تحت المدن، أو من النوع الرديء أو المتوسط الجودة مما يجعل تكاليف تعدينه واستخراجه أكبر بكثير من قيمته الاقتصادية.

وتتوزع احتياطات الفحم الحجري في 70 دولة في العالم، وتستحوذ عشر دول على نحو 90% من إجمالي إنتاجه العالمي، وهذه الدول هي الصين وأميركا والهند وأستراليا وجنوب أفريقيا وروسيا وإندونيسيا وبولندا وكزاخستان وكولومبيا.

ورغم استخدام الفحم الآن في عدد من القطاعات الصناعية ومن أهمها استخدامه لتوليد الطاقة الكهربائية، فإن ذلك يثير كثيرا من الاحتجاجات العالمية نظرا لما يتسبب به من انبعاثات غازية ضارة بالبيئة تفوق ما تم تتسبب به مصادر الوقود الأحفوري الأخرى.

تعتمد فكرة تغويز الفحم على حرق الفحم الموجود في باطن الأرض عن طريق حفر آبار تصل إلى رواسبه العميقة، فيتم ضخ الهواء في بعض تلك الآبار لإشعاله، ومن آبار أخرى يتم نقل غازات الفحم الناتجة للاستفادة منها

جحيم في باطن الأرض
في عام 1868 اقترح المهندس الألماني ويليام سيمنز فكرة تحويل الفحم إلى غازات قابلة للاستفادة منها في إنتاج الطاقة أو في بعض الصناعات الكيميائية المختلفة، وتعرف هذه الطريقة بتغويز الفحم (Gasifying)، وهي تعتمد على حرق الفحم الموجود في باطن الأرض عن طريق حفر آبار تصل إلى رواسبه العميقة، فيتم ضخ الهواء في بعض تلك الآبار لإشعاله، ومن آبار أخرى يتم نقل غازات الفحم الناتجة للاستفادة منها، وهي غاز الميثان والهيدروجين وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون.

هذه الفكرة تم تطبيقها في مطلع القرن العشرين من قبل الكيميائي البريطاني ويليام رمزي في أحد حقول الفحم في شمال بريطانيا، وفي عام 1940 استخدم الاتحاد السوفياتي السابق عملية تغويز الفحم في أوزبكستان لتشغيل إحدى محطات توليد الطاقة الكهربائية، وفي سبعينيات القرن الماضي قامت أميركا بتغويز الفحم في ولاية وايومنغ الذي يقع على عمق كبير ولا يمكن استخراجه بسهولة، وأنتجت كميات كبيرة من الغازات التي تمت الاستفادة منها في توليد الطاقة الكهربائية وفي بعض الاستخدامات الصناعية المختلفة.

لقد اهتمت عدة جهات حكومية دولية بتقنية تغويز الفحم الحجري، ومنها وكالة الأبحاث الحكومية الأسترالية، ففي تسعينيات القرن الماضي طور فريق بحث أسترالي بقيادة المهندس لين ووكر هذه التقنية واستفاد من عمليات الحفر الأفقي لآبار النفط للوصول إلى الفحم الحجري الموجود في باطن الأرض، وقد أسس شركة "لينك إنيرجي" التي أجرت كثيرا من الأبحاث والدراسات التي أثبتت أهمية هذه الطريقة، وأعقب ذلك في عام 2002 تأسيس شركة "كاربون إنيرجي" لتغويز الفحم الحجري على نطاق تجاري، وقد استفادت هاتان الشركتان من الخبرة السوفياتية في هذا المجال.

حسب تقديرات مجلس الطاقة العالمي فإن خمس الفحم في العالم يمكن استخراجه، والنسبة الأكبر يتعذر الوصول إليها نظرا للأعماق السحيقة التي تقبع فيها

مصدر هائل للطاقة
على الرغم من أهمية الفحم الحجري كمصدر للطاقة وللمواد الكيميائية اللازمة في كثير من الصناعات المختلفة، فإنه وحسب تقديرات مجلس الطاقة العالمي فإن خمس الفحم في العالم يمكن استخراجه والنسبة الأكبر يتعذر الوصول إليها نظرا للأعماق السحيقة التي تقبع فيها أو تكون موجودة تحت مياه البحار والمحيطات، ويبين الباحثون أنه إذا تم استغلال الكميات الهائلة من الفحم عن طريق تقنية التغويز فإنه سيكون ممكنا تزويد العالم بالطاقة لمدة تصل إلى ألف عام.

ولكي تنجح تقنية تغويز الفحم بشكل فعال، يتطلب ذلك ضخ الأكسجين بدلا من الهواء لزيادة كمية غاز الميثان وتقليل غاز ثاني أكسيد الكربون، كما أن درجة حرارة الاحتراق المثالية هي 1500 درجة مئوية، علما بأن كثيرا من محطات التغويز حاليا تضخ الهواء بدلا من الأكسجين وهي بالتالي تنتج غاز ثاني أكسيد الكربون غير المرغوب فيه بشكل أكبر.

ويؤكد الباحثون أن تقنية تغويز الفحم جاهزة الآن للاستفادة من الكميات الضخمة من الفحم الموجودة في شتى أنحاء العالم، وأن الغازات التي يتم الحصول عليها سوف تستخدم في كثير من الصناعات الهامة بالإضافة إلى استخدامها لإنتاج الطاقة، فمثلا يمكن إنتاج حامض الأستيك عن طريق الهيدروجين وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكربون، كما يمكن إنتاج الميثانول من ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين، كما يمكن تسييل الميثان لاستخدامه مصدرا للطاقة النظيفة.

أثارت تقنية تغويز الفحم كثيرا من المخاوف البيئية، حتى إن بعض المدافعين عن البيئة يقولون إنهم أمام كارثة بيئية ستكون الأكبر على الأرض

محاذير بيئية
أثارت تقنية تغويز الفحم كثيرا من المخاوف البيئية، حتى إن بعض المدافعين عن البيئة يقولون إنهم أمام كارثة بيئية ستكون الأكبر على الأرض، وأن درجة حرارة كوكبنا سوف ترتفع بشكل يفوق المعدلات الحالية وبشكل كبير.

وتتركز هذه المخاوف في كميات ثاني أكسيد الكربون الضخمة الناتجة والتي سوف تفاقم مشكلة الاحتباس الحراري إذا انطلقت إلى الغلاف الجوي، إذ إن كوكب الأرض حاليا في أمسّ الحاجة إلى الحد من انبعاثات الكربون الضارة بالبيئية من أجل المحافظة على ارتفاع درجة الحرارة للأرض دون درجتين مئويتين.

إن معضلة انبعاث غاز الكربون من عمليات تغويز الفحم تحد من استثمار هذا الاحتياطي الضخم من الطاقة، ويتوقف حاليا نجاحها عالميا على قدرة المدافعين عن هذه التقنية في احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من عملية حرق الفحم تحت الأرض، وتتم عملية احتجاز الغاز الكربوني في باطن الأرض سواء في آبار الغاز الطبيعي المستنفدة أو في آبار النفط الخام أو في مكامن الفحم الحجري الذي تم تغويزه حيث تتشكل تجاويف ضخمة في باطن الأرض يمكن الاستفادة منها لتخزين الغاز الكربوني والتخلص منه.

______________
* كاتب علمي متخصص في هندسة تكنولوجيا الصناعات الكيميائية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة