تباين التأويلات بالمغرب لاستقالة وزير مقرب من الملك   
السبت 1428/7/27 هـ - الموافق 11/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)

ترشح عالي الهمة للانتخابات يربك الحسابات حول دور المؤسسة البرلمانية (الجزيرة نت-أرشيف)


المحفوظ الكرطيط

تمور الساحة الإعلامية والسياسية بالمغرب بالتكهنات والتأويلات بشأن "استقالة" الوزير المنتدب بالداخلية فؤاد عالي الهمة -المعروف بكونه مقربا من الملك محمد السادس- من أجل الترشح للانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها في السابع من سبتمبر/أيلول المقبل.

وتتباين القراءات لهذه الخطوة بين من يعتبرها إقالة للوزير بإخراج مقبول للاستهلاك الإعلامي ومن يراها تكتيكا لتهييء المعني بالأمر لاحتلال موقع جديد بدائرة الحكم انطلاقا من شرعية منبثقة من صناديق الاقتراع.

ويبدأ تباين التأويلات من الصيغة التي أعلنت بها الاستقالة، إذ نشرت وكالة المغرب العربي للأنباء (رسمية) بيانا صادرا عن الديوان الملكي جاء فيه أن الملك استجاب لرغبة الوزير بالترشح للانتخابات النيابية المقبلة، فأعفاه من مهامه.

يُذكر هنا أن هذه الخطوة نادرة في المشهد السياسي المغربي، إذ لم يسجل أن استقال وزير من الحكومة للتفرغ للاستحقاقات الانتخابية بل جرت العادة أن تواصل الحكومات تصريف الأعمال إلى ما بعد الانتخابات وتعيين الملك رئيسا للوزراء يشكل فريقا حكوميا جديدا.

وعلى خلاف عالي الهمة الذي لم يعرف له انتماء حزبي سابق، فجل الوزراء بالحكومة الحالية يعتزمون الترشح للانتخابات المقبلة دون أن يتخلوا عن حقائبهم.

كما اختلفت القراءات للتبريرات التي أوردها المعني بالأمر، حيث قال في تصريحات لوكالة الأنباء الرسمية إنه ليست هناك أجندة سياسية وراء استقالته.

وعلى هذا المستوى رصد بعض المراقبين نوعا من التناقض، إذ كيف تنتفي الصبغة السياسية عن الترشح للانتخابات الذي يعتبر سلوكا سياسيا بامتياز.


شكيب بنموسى يمسك دواليب وزارة الداخلية لوحده بعد استقالة مسؤولها الثاني (الفرنسية-أرشيف) 
إقالة أم استقالة
وبين فرضيتي الإقالة والاستقالة، لم يخف الصحفي المغربي علي أنوزلا قناعته المصحوبة بكثير من المحاذير بأن الأمر يتعلق بإقالة للرجل مؤكدا أن طلب الإعفاء بجميع الأحوال لا يمكن أن يكون صادرا عن عالي الهمة.

وبرر أنوزلا مستشار التحرير بصحيفة المساء (مستقلة) تلك الفرضية بالاستناد إلى بنود دستور البلاد والتي تقضي بأن الملك هو الذي يعين ويقيل الوزراء والموظفين السامين.

ولم يستبعد أنوزلا في اتصال هاتفي مع الجزيرة نت أن يكون إبعاد عالي الهمة جزءا من الصراعات الدائرة بالمحيط الملكي، مفسرا الغموض الذي يلف هذا التطور المثير للجدل بطبيعة اتخاذ القرار السياسي بالمغرب والمتسمة بغياب آليات واضحة وبطغيان المزاج الشخصي للملك.

كما ذهبت أصوات أخرى بالصحافة المستقلة في اتجاه تغليب فرضية الإقالة، وعزت ذلك إلى ما اعتبرته تراكما لكثير من الأخطاء في تسيير الملفات الكثيرة والحساسة التي كان عالي الهمة يتولى تدبيرها انطلاقا من موقعه كمسؤول ثان بوزارة الداخلية.

وخلافا للصحافة المستقلة، فإن الأوساط الحزبية بصحفها وزعاماتها التزمت الصمت إزاء ما أقدم عليه عالي الهمة أو "ما دُفع إليه". واكتفت جل تلك الصحف بنشر الخبر ومتعلقاته كما أوردته وكالة الأنباء الرسمية.

وفيما استبعد أنوزلا عودة عالي الهمة عبر صناديق الاقتراع ليتبوأ موقعا جديدا بالحكومة، ترجح أطراف أخرى أن يكون إعفاء الوزير المنتدب والإخراج الذي تم به خطوة تمهيدية لدور جديد له في مرحلة ما بعد الانتخابات.

إدريس البصري كان وزيرا للداخلية لما التحق به عالي الهمة متدربا (الفرنسية-أرشيف)
تطور مفاجئ
ولم تكن الأوساط السياسية تتوقع تلك الخطوة بهذا الظرف بالذات، إذ كان مزمعا أن يشارك عالي الهمة ضمن الوفد المغربي بالجولة الثانية من المفاوضات مع البوليساريو بشأن قضية الصحراء الغربية في منهاست بنيويورك.

كما يأتي هذا التطور ليربك جميع الحسابات، بعدما كان اهتمام المراقبين منصبا على السيناريوهات المحتملة لما بعد الانتخابات وللتحالفات التي سترافقها ومدى احترام المؤسسة الملكية لما سبق أن سماه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (أغلبية) "المنهجية الديمقراطية" والمتمثلة في تعيين رئيس للوزراء بناء على نتائج الانتخابات.

ويشار إلى أن عالي الهمة -وهو زميل دراسة محمد السادس ومدير ديوانه لما كان وليا للعهد- كان بمثابة الرجل الثاني لما يحظى به من ثقة ملكية مما جعل البعض يشبهه بوزير الداخلية السابق إدريس البصري الذي كان الرجل القوي في المملكة خلال أغلب سنوات حكم الراحل الحسن الثاني.

وكان عالي الهمة الذي عينه الملك عام 1999 وزير دولة (كاتب دولة) للداخلية قبل أن يصبح وزيرا منتدبا بالداخلية عام 2002، يشرف على كثير من الملفات على رأسها ملف الصحراء. وظل دائما المحاور الأول للأحزاب السياسية، ولعب دورا في معالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي عرفتها البلاد بين عامي 1956 و1999.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة