لوموند: مع العمال الفلسطينيين على طريق الفصل العنصري   
الأحد 1429/3/10 هـ - الموافق 16/3/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:46 (مكة المكرمة)، 21:46 (غرينتش)

منظر لأحد أجزاء الجدار الإسرائيلي الفاصل الذي يقطع أوصال القرى الفلسطينية (رويترز-أرشيف)

يبدأ العمال الفسطينيون منذ الساعة الثالثة صباح كل يوم في التوافد من بلدات ومدن الضفة الغربية في رحلة شاقة تبدأ من نقطة تفتيش ماكابيم حيث يشكلون طوابير يتزايد حجمها مع بزوغ الفجر آملين الحصول على رخصة عمل تخولهم عرض خدماتهم على المؤسسات الإسرائيلية على الطرف الآخر من الحدود.

صحيفة لوموند الفرنسية أجرت تحقيقا حول معاناة هذه الشريحة من الشعب الفلسطيني، فقالت إن كل هؤلاء يمرون مشيا على الأقدام عبر ممر ضيق قبل أن يعبروا الطريق السريع 443 بغية الحصول على إذن لدخول إسرائيل.

وعند الساعة الخامسة صباحا يبدأ الجنود الإسرائيليون في تفتيش حقائب مؤن العمال البلاستيكية والتأكد من وثائقهم.

إنهم يعاملون كالحيوانات, يحكي أحد هؤلاء العمال, "عندما ينزل المطر يتحول الوضع إلى كابوس حقيقي بسبب البرد القارس! فقبل أيام أقدم الجنود على تفريقنا عن نيران كنا أوقدناها للتدفئة, وعاقبونا بأن حرمونا من الذهاب للعمل".

لوموند قالت إن السيناريو ذاته يتكرر كل يوم عند هذا الحاجز التفتيشي الذي يبعد عشرين كيلومترا عن القدس, "وكل شيء يتوقف على مزاج الضابط, أحيانا تمر الأشياء على ما يرام, وأحيانا تتحول إلى ماساة حقيقية, فنتعرض للسب والصراخ في وجوهنا, فنحن نعامل كالعبيد" بهذا لخص أحد العمال اليدويين وهو يلبس بدلة ملطخة بدهان المباني كيف تسير الأمور.

"
قد يتحول الأمر إلى ماساة حقيقية, فنتعرض للسب والصراخ في وجوهنا, فنحن نعامل كالعبيد
"
عامل يدوي فلسطيني معلقا على معاناة العمال عند الحواجز الإسرائيلية
وبعد عبور الحاجز, تبدأ مرحلة انتظار أخرى حتى يأتي أحد أرباب العمل, فيكدس العمال في سيارات الأجرة أو الشاحنات الصغيرة إلى مكان الشغل, وعند الساعة الرابعة بعد الظهر تبدأ رحلة العودة فيكب أرباب العمل عمالهم أمام كتل الخرسانة عند الحدود ليعبروا إلى الضفة راجعين وقد كسبوا ما بين 37 و47 يورو.

بعضهم يعمل لليوم والبعض الآخر للأسبوع أو حتى للشهر, فالعمال وأرباب العمل يعرفون بعضهم بعضا منذ زمن بعيد, والرخصة لا تمنح أصلا للفلسطيني إلا بطلب من رب عمل إسرائيلي يحدد فيه اسمه.

يقول رجل الأعمال الإسرائيلي نمرود كريغل إنه مرتاح لتوظيف الفلسطينيين, مشيرا إلى أنه الآن يوظف ابن الرجل الذي كان يوظفه في حديقته.

واستطرد كريغل قائلا: "أفعل ذلك لمساعدة الفلسطينيين, ولأننا لا نجد من يقوم بهذه الأعمال في إسرائيل, فأنا أعتقد أن الطريقة المتبعة مع الفلسطينيين عار, فالجميع يجب أن يكونوا متساوين أمام القانون, وصدقني فلست الوحيد في إسرائيل الذي يعتقد ذلك".

المراسل الخاص لصحيفة لوموند ميشل بول ريشار الذي أجرى التحقيق يقول إن حاجز ماكابيم عبارة عن عنق قنينة ضيق لحد الخنق موجود داخل الجدار الأمني الفاصل بين إسرائيل والأراضي المحتلة.

ويمر الطريق 443 عبر الأراضي الفلسطينية وقد استحوذت إسرائيل على أراضي القرى المحاذية له وبنت على جانبيه جدارا, فلم يعد يسلكه سوى السيارات الإسرائيلية, وشقت أنفاقا لمرور السيارات الفلسطينية.

ويطلق الفلسطينيون على هذا الطريق "طريق الأبرتايد" وتقول امرأتان جاءتا لمشاهدة ما يعانيه الفلسطينيون هناك إن "طريق الفصل العنصري هذا يقود إلى حاجز العار (ماكابيم)".

"
الطريق 443 هو المثال الحي على بغي وطغيان المحتل
"
كرتزمر
وتنتمي المرأتان إلى منظمة "مارسوم ووتش" المتخصصة في مراقبة هذه الحواجز, وتقول إحداهن واسمها حنا دراغ: "جئت من جنوب أفريقيا, وقد عايشت الأبرتايد هناك, ولا أرى فرقا بينه وبين ما يجري هنا, بل إنني أحيانا أحس بالعار لمساهمتنا في صنع هذا الواقع الجديد على هذه الأرض".

أما الأستاذ بالجامعة العبرية بالقدس ديفد كرتزمر فيقول: "الطريق 443 هو المثال الحي على بغي وطغيان المحتل".

وقد بدأت بيت سيرا, وهي كبرى القرى الفلسطينية القريبة من حاجز ماكابيم، تترنح لأنها مقطوعة بشكل شبه كلي عن العالم, إذ لو أغلق الإسرائيليون النفق المؤدي إليها لمات من بها.

يقول أبو أحمد وهو أحد سكان هذه القرية إن الوصول منها إلى رام الله يتطلب الآن خمسة أضعاف ما كان يتطلبه من الوقت قبل حظر استخدام الفلسطينيين للطريق 443.

وتشير منظمة بيت السلم الإسرائيلية إلى أن هذا الوضع أجبر أكثر من 100 محل تجاري صغير على إغلاق أبوابها.

وتفرض السلطات الإسرائيلية غرامات باهظة على أي فلسطيني يتجرأ على سلوك هذا الطريق, وتستخدم قوات الأمن الإسرائيلية أبراج مراقبة ارتفاعها يصل إلى 15 مترا لمراقبة كل الممرات والشوارع المؤدية إلى هذا الطريق.

وهناك حملات احتجاجية بصورة منتظمة للتنديد بهذا الفصل العنصري المطبق على الطريق 443 وشجب المصير المفروض على سكان هذا القطاع الذين عاشوا طيلة حياتهم هناك.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة